الجراح الراحل الفرا .. آصرة دافئة بين غزة وكوبنهاغن

12143114_10153049709971262_7923668898615685022_n
12143114_10153049709971262_7923668898615685022_n

كوبنهاغن – الرسالة نت

 أثار رحيل جراح العظام العربي الشهير في الدانمرك الدكتور جهاد الفرا، الذي اشتهر بتطوعه الإنساني في إنقاذ ضحايا الحروب والكوارث، موجة من الأسى تخطت الجمهور الذي تعرف عليه في اسكندنافيا وأوروبا، لتصل إلى فلسطين وتحديداً قطاع غزة، الذي شغل مكانة خاصة لدى الطبيب الراحل علاوة على مسقط رأسه حمص.

فقد بذل الدكتور الفرا قصارى جهده ليتمكن من القيام بالإغاثة الطبية الإنسانية في قطاع غزة إبان العدوان على القطاع سنة 2009 رغم مخاطر العمل تحت القصف،

والدكتور جهاد عبد العليم الفرا دانمركي من أصل سوري، وُلد في مدينة حمص عام 1960 ودرس في مدارسها، ودرس الطب وتخصص في جامعات أوروبية، وعمل حتى وفاته استشارياً لجراحة العظام في المستشفى الملكي الجامعي في كوبنهاجن، وبرز في العديد من الأدوار الإنسانية والاجتماعية والثقافية والإعلامية.

لكنّ وفاة الفرا في العاصمة الدانمركية كوبنهاغن فجر الثلاثاء (6 تشرين أول/ أكتوبر) لم يسدل الستار على تجربته بل سلّطت الأضواء عليها كما لم يحدث من قبل، خاصة وأنه كان شديد التواضع.

وقد كشف الجراح العربي الإسكندنافي جانباً من آصرته الدافئة مع غزة في كتاب ألّفه عنها، وكان يفخر في المنتديات العامة والخاصة بوصفها بأرض العزة.

يمكن اعتبار "رحلتي إلى أرض العزّة"، عنواناً لكتاب استثنائي بكلّ المقاييس، فكلماته مستلّة من تجربة إنسانية عميقة، حافلة بالتأثر، ومؤهلة لأن تُبكي قارئها مراراً لعمق ملامستها الوجدان، وقدرتها الفائقة على تحريك المشاعر.

فهذا الكتاب الذي صدر في كوبنهاغن يرحل بقارئه إلى اسكندنافيا ابتداءً، حيث عاش جراح الحوادث الدانمركي من أصل عربي، الدكتور جهاد عبد العليم الفرّا. ففي ليالي الشتاء التي تحققت معها الانعطافة من سنة 2009 إلى سنة 2009، أخذ دويّ القصف المتلاحق في غزة، يُحدِث أصداءه في وجدان هذا الطبيب، الذي أدرك أنّ واجبه الإنساني، والتزامه المهني، ووازعه الديني والأخلاقي، كلها تحتم عليه أن ينتقل إلى القطاع المحاصر الذي أخذت آلة العدوان الإسرائيلية العاتية تسحقه سحقاً.

يشرح المؤلف كيف تواردت أنباء العدوان الحربي، فأقضّت مضجعه، وآلمت قلبه، فسعى بكلّ السبل للتحرّك صوب غزة، غير آبه بسلامته الشخصية.

ويضع الكتابُ القارئَ في ضوء المساعي الحثيثة التي أخذ يبذلها هذا الطبيب ذو الأصل السوري، عبر اتصالات مع المنظمات الإنسانية الدولية، كالصليب الأحمر و"أطباء بلا حدود"، بغية وفائه بعهد قطعه على نفسه، بمداواة الجرحى وإنقاذ المصابين، تحت الحمم التي تنهال عليهم في ذلك الشريط الضيِّق من الأرض الفلسطينية، المسمى قطاع غزة.

لكنّ المسارات لم تكن سالكة، فكان لا بدّ من السعي عبر خيارات أخرى، مثل تجمّع الأطباء الفلسطينيين في أوروبا، واتحاد الأطباء العرب، وهو ما حقّق أمنية عزيزة على نفسه، بأن تطأ قدما هذا الطبيب أرض غزة، وإن كانت الصعوبات والعراقيل وفيرة في طريقه ذاك.

يشرح المؤلف، ما عايشه داخل القطاع، عبر خدمته التطوّعية في المشفى الأهلي العربي، وفي مجمع الشفاء الطبي، وكذلك في مشفى الوفاء الواقع على خطوط التماس بين المقاومة وجيش الاحتلال، خلال ذلك العدوان الضاري على غزة. فقد كان يتنقل على مدار الساعة من هذا المشفى إلى ذاك، ليقوم بالعمليات والخدمات الطبية تحت ضغط شديد يفوق الطاقة الاستيعابية للبنية الصحية التحتية في هذه الرقعة المحاصرة من الأرض.

وأعاد المؤلف الراحل نسج المواقف التي عايشها، والتي لا يمكن للمرء أن ينساها ما حيي؛ من إدراكه آلام الجرحى، واستقباله إصابات بالغة البشاعة جراء الأسلحة الإسرائيلية المحظورة دولياً، وصولاً إلى ما لمسه من مشاعر العزّة والكرامة والتجلّد والاحتساب لدى الأطفال والأمهات وكبار السنّ، علاوة على الشباب الفلسطيني الذي لم يأبه بما أصابه، وهو ما جعله يصف قطاع غزة بأنه "أرض العزّة".

وينقل الكتاب أصداء غزة تحت العدوان، التي صنعها على مدار الساعة دويّ القصف الإسرائيلي جوّاً وبرّاً وبحراً، وصدى اشتباكات المقاومة التي لاحظ أنها استبسلت في مواجهة واحد من أعتى جيوش العالم. وينقل الكتاب وصفاً فريداً لأزيز "الزنانة"، أي الطائرات بدون طيّار التي كانت تحوم في الأجواء بلا توقف راصدة المشهد على الأرض إيذاناً بالقصف الجديد، علاوة على التفجيرات التي كانت تجري في مناطق التماس في أرجاء القطاع المحاصَر.

صدر كتاب "رحلتي إلى أرض العزة" في كوبنهاغن، باللغة العربية، عن المجلس الإسلامي الدانمركي، وهو يقع في نحو مائة وسبعين صفحة من القطع الكبير، وهو معزّز بالصور الميدانية، وبمواد توثيقية عدّة، تجعله بمثابة معالجة استثنائية، من خلال أهميّة التجربة التي خاضها جراح الحوادث القادم من اسكندنافيا، وبخصوصية الموقف الذي تصدّى للقيام بمهمته الإنسانية في خضمِّه.

وتأتي الشهادات التي يفيض بها هذا الكتاب؛ بمثابة لوحات تمتزج بها المشاعر الإنسانية العميقة، الكفيلة باستدرار دموع القارئ بلا توقف، والأبعاد السردية التي تضع المرء في قلب الحدث الغزِّيّ زماناً ومكاناً.