رغم الغموض الذي خيم على حديث رئيس السلطة محمود عباس بأنه سينهي خطابه في الأمم المتحدة نهاية الشهر الجاري "بقنبلة"، إلا أن محاولاته المتكررة لم تنته؛ للامساك بخيط من أجل العودة مجددا إلى المفاوضات مع الاحتلال قبل موعد القاء قنبلته؛ علّ ذلك ينقذه من تلك الورطة التي سيضع نفسه بها.
وذكرت صحيفة "هآرتس" العبرية أن عباس بعث برسائل سرية لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عبر عدة قنوات في الأسابيع الأخيرة، من ضمنها رسائل عبر وزير داخلية الاحتلال سيلفان شالوم بأنه على استعداد للقائه.
تجارب سابقة
عباس نقل رسالة أخرى بواسطة الوزير السابق مئير شطريت الذي دعاه إلى لقاء سري قبل أسبوعين في باريس؛ لإبداء رغبته ولقاء نتنياهو، كما وتطرق إلى مضمون خطابه المرتقب في الأمم المتحدة وإلى توقف المفاوضات بين الطرفين.
مراقبون يرون -بناء على تجارب سابقة للرئيس عباس-بأنه يفضل خيار المفاوضات مع اسرائيل على أي خيار آخر؛ لضمان بقاء مصالحه ومستقبله السياسي على الساحة الفلسطينية وبالمنطقة.
كما ويرى المراقبون أن تهديده بإلقاء قنبلة لن يتضمن أكثر من التهديد بوقف التنسيق الأمني، ومطالبة الدول بالاعتراف بفلسطين دولة تحت الاحتلال.
ووفقا للمحلل السياسي بالضفة الغربية خالد العمايرة، فإن السلطة وعباس في هذه المرحلة يفتقدون للخيارات الكبيرة، ولا يملكون أكثر من تحريك إعلامي للوضع الفلسطيني، وقفزة في الهواء، قائلا: "عباس يرغب بالمفاوضات لأنه يدرك جيدا أنها المنقذ الوحيد لأزماته المتتالية على الساحة، ما يجعله لا يدخر جهدا للبحث عن طرف يمسك بيده ويقربه من المفاوضات كونها خياره الوحيد لارتباط مصالحه بيد إسرائيل وأمريكا".
ويؤكد العمايرة أن عباس يدرك جيدا أن خطابه المقبل بالأمم المتحدة لن يشكل تحولا استراتيجيا في الخطاب السياسي الفلسطيني، مضيفا: "لذا لا تزال عينه على المفاوضات التي تعيد له حياته السياسة التي تشهدا انطفاء واضحا في هذه الآونة مع تواصل التعنت الإسرائيلي وتعطل الملفات الفلسطينية الداخلية".
وتعثرت المفاوضات بين الطرفي الاسرائيلي والفلسطيني في مارس 2014 بعد انتهاء مدة الـ 9 أشهر التي تم تحديدها كسقف زمني للتوصل إلى تسوية بين الجانبين لاستمرار الاحتلال في النشاطات الاستيطانية، بالرغم من توقيعها على تجميدها في اتفاق بدء المفاوضات.
تلا هذا التعثر العديد من الخطوات الأحادية بين الجانبين حيث توجهت السلطة لمجلس الأمن الدولي بمشروع قرار لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضي الـ 67 خلال مدة 3 سنوات، وفشلت في التصويت لصالحه، لتتوجه مؤخرا للتوقيع على الانضمام لـ 18 منظمة واتفاقية بينها اتفاق "روما".
استعداده للقاء
وفي السياق ذاته، ذكرت صحيفة هآرتس أن عباس هو الذي كشف عن لقائه مع أربعة دبلوماسيين سابقين في الخارجية الإسرائيلية والذين كانوا سفراء لـ "إسرائيل" في باريس، حيث نقلت الصحيفة عن أحدهم قوله إنهم أكدوا أمام عباس بأن نتنياهو على استعداد للقائه ولإطلاق المفاوضات بين الطرفين دون شروط مسبقة.
وقال السفير السابق دانئيل شيك إن عباس رد بالقول: "إنه على استعداد للقاء نتنياهو وأنه لن يعلن عن حل السلطة أو إلغاء اتفاقيات أوسلو خلال خطابه بالأمم المتحدة، لكنه بعث إشارات بأنه لن يستطيع الاستمرار في الالتزام الحرفي باتفاقيات أوسلو في ظل توقف المفاوضات.
المحلل السياسي فراس جرار من نابلس، يرى أن عباس لديه استعداد لتقديم تنازل جديد مقابل عودته إلى المفاوضات من جديد.
ويقول: "المفاوض الفلسطيني تنازل عن كل اشتراطاته بالمفاوضات طيلة السنوات الماضية وفي المقابل الطرف الإسرائيلي تمسك باشتراطاته (القدس عاصمة الدولة، والاعتراف بيهودية الدولة، وأن تكون منطقة الأغوار منطقة أمنية يسيطر عليها الاحتلال)".
كما أكد أن عباس سيبقى متمسكا بخيار المفاوضات مهما كلفه هذا الأمر من تنازلات فلسطينية بهدف الحفاظ على شخصه ومكانته ومصالحه، متابعا: "عباس يريد أن ينهي حياته السياسية امام شعبه بشي يحسب له بالتاريخ وهو يدرك أن المفاوضات ستعيد شيئا من الحقوق والثوابت الفلسطينية".