يعاني أهالي الأسرى من أوجه التعسف (الإسرائيلي) المتجددة بحقهم، في كل زيارة لهم للسجون (الإسرائيلية)، يتجرعون الذل رغم كبر أعمارهم وسيطرة المرض على بعضهم، إلا أن لوعة الفراق وحرقة الشوق تجعلهم يتحملون ما لا يطيقون، منتظرين لحظة اللقاء لتكتحل أعينهم برؤية أبنائهم الذين حرموا منهم خلف القضبان.
مع بداية يوم الإثنين من كل أسبوع يخرج العديد من أهالي الأسرى لزيارة ذويهم داخل سجون الاحتلال، "الرسالة" سلطت الضوء على رحلة العذاب من خلال نقلها لشهادات ذويهم.
والد الأسير حسني عيسى تغيرت ملامحه فور سرد معاناته لرحلة زيارة ابنه داخل سجون الاحتلال، ينهض الستيني محمد الساعة الرابعة فجرًا من يوم الاثنين، يودع ابناءه ويخرج من منزله في مدينة رفح جنوب القطاع متوجها إلى طريق هو أشبه بالمجهول.
وقبل أن تصل أشعة الشمس عينيه العسليتين وهو متكئ برأسه على زجاج الحافلة التي ستقله إلى زيارة ابنه ومعه عشرات الأفراد من الأهالي المتوجهين لزيارة ذويهم، يبدأ بتفقد الأشياء التي طلبها ابنه حسني منه حتى لا ينسى اينا منها، مستعينا ببعض الطعام والقهوة والماء البارد والتي تهون عليه طول الطريق وحره.
الحاج محمد هو الوحيد الذي يسمح له الاحتلال بزيارة "حسني" من بين اخوانه وأولاده بسبب الرفض الأمني كما يزعم الاحتلال لبقية أفراد أسرته.
تنطلق الحافلة مع تمام الساعة السادسة والنصف صباحا، ويقول عيسى "نصل أحد الحواجز الساعة 7:30 صباحا، ثم نترجل من الحافلة ونسير قرابة 50 مترًا حتى نلتقي بالساحة المفتوحة المسقوفة بألواح حديدية لا تحتوي على أي شيء سوى مرحاض قذر يستخدمه الأهالي "مضطرين" بسبب طول الرحلة.
ويضيف: " ينتظرنا موظف الصليب الأحمر لتسليمنا تذاكر العبور وبعدها نتوجه لمكان التفتيش.
مكان التفتيش حيث يصادفك في هذا المكان الممقوت كما وصفه الحاج عيسى العديد من الأبواب الحديدية المتحركة التي يطلق عليها "المعاطة" وتضع كل ما في حوزتك بالبوابة الأولى على الماكينة الألية.
ويتعمد الاحتلال مماطلة الموجودين في الاجراءات الامر الذي يضيق على الاهالي بسبب ساعات الانتظار.
بعدها تنطلق الحافلة في رحلة يجهل الركاب طولها فهي رهينة لسياسة الاحتلال وظروف الطريق، يقول الحاج لا نملك سوى الدعاء بان يسهل الله طريقنا، وبعدها يحاول كلا منا إشغال نفسه بسبب الطريق الطويل المتوجه لجنوب الأراضي المحتلة.
لا يشبع الحاج عيسى في كل زيارة من تأمل الطريق عبر النافذة، فهو يرى جمال أرضه التي حرم العيش فيها، محاولا استعادة ذكريات صغره.
ويضيف: "مررنا بالمفرق الذي يؤدي الى سجن النقب، وقبله سجن إيشل، ونحن نشاهد جمال الجبال الفلسطينية التي اغتصبها الاحتلال، لتحط رحالنا بعدها في سجن نفحة حيث مكان وجود حسني.
كانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة والنصف ظهرا لكن عليك ألا تتخيل أنه يمكنك على الفور أن تترجل من الحافلة للقاء من تحب، فذلك الأمر مستحيل" يقول الحاج عيسى
ويضيف والد الأسير " جاءت سيارة الأمن وطلبت منا الانتظار، وافساح الطريق لإدخال الحافلة التي تقل الأسرى من مكان لآخر والذي يطلق عليها (البوسطة) وهو باص أبيض اللون يطلق عليه شعار قوات (النحشون) ليس فيه سوى شبابيك صغيرة الحجم وعالية "
"كالعادة لا نرَ أيًا من الأسرى، وكل ما نراه هو قوات النحشون منتشرين حول الحافلة، بقينا نصف ساعة داخل الحافلة حتى جاء الشرطي "الإسرائيلي" وفتح البوابة ذات الأسلاك المتشابكة وأدخلنا إلى ساحة المفتوحة، ومن ثم إلى مكان مغلق.
يتأكد الشرطي من تواجد الجميع ليغلق عليهم بعدها الباب بالقفل والمفتاح ويرحل.
في البداية ينادي أحد السجانين على عدد من الأسماء وهم أسرى الفوج الأول، يلجأ الاحتلال لتقسيمنا إلى أربعة أفواج رغم أن عددنا 72 شخصا.
وبعد الانتظار والوقوف لمدة ساعتان نادوا على أسماء أسرى الفوج الثاني الذي كنت انتظره، وقفنا على البوابة الحديدية حتى ندخل يقول عيسى.
ساعات الانتظار بدت كأنها أيام تمنى الحاج عيسى لو أن تغيب الأبواب والأشخاص والوجوه، كي يدخل سريعا للقاء ابنه.
يكمل قائلا: عند البوابة يقابلنا جهاز التفتيش وهو الكتروني تخلع عنده حذائك وتتخلى عن العديد من حاجياتك الخاصة، حتى النساء يعطيهن الاحتلال اسدالات صلاة لخلع ملابسهن في حال أصدرت أي رنين على الاجهزة.
بدأ شعور الفرح يراود الحاج والد الأسير محمد عيسى الفرح، فهو سيرى ابنه أخيرا هذا الوجه المشرق الذي أحبه، دخل سجان وقال (هيا إلى الزيارة). في تلك اللحظات عجز الشيخ عن وصف شعوره "للرسالة" فهو لم يملك سوى الركض ليصل بسرعة.
دخل الحاج قاعة الزيارة وتوجه مباشرة إلى ذلك الشباك الذي يفصل بينهم ورأى ابنه بعيون ممتلئة بالدموع. " تمنيت لو أستطيع أن أحضن ابني كما في الصغر ولكن هناك أحلاما من الصعب أن تتحقق يقول الحاج عيسى.
45-دقيقة هي المدة التي يسمح بها الاحتلال للقاء الاهالي بأبنائهم ، تلك المدة يتساءل عيسى كيف لها أن تسد شوق 9-سنوات حرم خلالها من رؤية ابنه.
يضيف: تمنيت لو أنني أستطيع البقاء لمدة أكثر، لحظات صعبة حينما ينتهي الوقت وعلينا ان نترك من نحب لكن يقيننا يبقى بأن الفرج بات قريبا.