زاد موقف السلطة الفلسطينية "العاجز" من جريمة حرق الطفل الرضيع علي دوابشة، حالة الغضب في الضفة المحتلة، على ضوء الإجماع الفلسطيني بأن "الجريمة ما كانت لتتم لولا الدور الأمني الذي تقوم بها السلطة لصالح الاحتلال".
وفي الوقت الذي نددت فيه السلطة اعلاميا بالجريمة، كان التواصل السياسي على أوجّه بين رئيسها محمود عباس، ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، بل عملت السلطة على توجيه المصابين من عائلة دوابشة إلى مشافي الداخل المحتل، "في إشارة سياسية مشكوك فيها"، وفق حسن خريشة النائب المستقل في المجلس التشريعي.
ميدانيا، كانت عصى الأجهزة الأمنية وبنادقها مشرعة في وجه الفلسطينيين العزل، أثناء خروجهم من صلاة الجمعة، وقد قمعت كل المظاهرات التي نددت بالجريمة، فضلا عن توجيه محمود الهباش بكتاب لخطباء المساجد يمنعهم فيها عن ذكر ما جرى.
وأكدّ متحدث باسم تجمع عوائل المعتقلين السياسيين، استمرار اعتقال ما يزيد عن ثمانين معتقلا سياسيا داخل سجون السلطة.
العديد من أصابع الاتهام وجهت إلى السلطة المسؤولية؛ لكونها نزعت سلاح المقاومة بالضفة، وجعلتها مكشوفة الظهر للمستوطنين، عدا عن دورها الرئيسي في ضرب البنية التحتية للمقاومة.
وقد سلمت السلطة حوالي 180 مستوطنا، قالت إنهم دخلوا الضفة المحتلة بـ "الخطأ"، ما شجع المستوطنين على الاستمرار بجرائمهم، وفق مراقبين.
وأكدّ وصفي قبها القيادي بحماس لـ "الرسالة"، أن الاحتلال ما كان له أن يرتكب هذه الجرائم، لو أن مستوطنيه الذين دخلوا الأراضي المحتلة وقعوا في قبضة المقاومة، عدا عن دور التنسيق الأمني، "ما يعني أن السلطة مسؤولة عن هذه الجريمة، وهي مساندة فعليًا لها".
وقال قبها الذي حرق مجهولون سيارته للمرة الثانية: "لو كانت السلطة حريصة فعلا على الرد، لأوقفت التنسيق الأمني، وأطلقت سراح المعتقلين السياسيين، وتوقفت عن الاستدعاءات".
وشاركه الرأي قادة ومتحدثون باسم الفصائل، من بينهم أبو عماد الرفاعي ممثل حركة الجهاد الإسلامي في لبنان، وخالد أبو هلال الأمين العام لحركة الاحرار.
ووصف حسن خريشة رد فعل السلطة على الجريمة، بأنه دون المستوى المطلوب، واصفًا إياه بـ "الانهزامي".
وقد أصدرت فصائل أخرى بيانات منفصلة وصلت "الرسالة نت" تنادي فيها السلطة لوقف تنسيقها الأمني، الذي تسبب في تشجيع المستوطنين، ووفّر لهم الأمن طيلة السنوات الماضية.
الموقف السياسي
سياسيا، هددت السلطة برفع قضية الطفل الرضيع إلى محكمة الجنايات الدولية، فأثارت بذلك سخرية السياسيين، الذين سألوها بحسرة ماذا عن وعودها السابقة في قضية حرق الطفل أبو خضير والوزير الشهيد زياد أبو عين، هكذا سأل حسن خريشة.
وتساءل النائب أحمد عطون: " السلطة وعدتنا كثيرا في هذا الملف، لكن ما الضامن السياسي أن تتحرك السلطة فعليًا؟"
قيادي فتحاوي اكدّ للرسالة، أن مثل هكذا قضايا تستغرق وقتًا طويلًا كي تقدم إلى المحكمة.
ووجد سياسيون ومحللون تصريحات السلطة، محاولة لاحتواء الموقف سياسيًا، ووضع العقبات أمام أي حراك ميداني، بحسب ما تحدث به كلا من خريشة وعطون، اللذان اتفقا على أن السلطة أكبر معيق أمام أي تحرك شعبي لاندلاع انتفاضة بالضفة.
المحلل السياسي عدنان أبو عامر رأى في تصريحات السلطة السياسية محاولة لاحتواء الموقف الميداني، مشيرًا إلى أن السلطة تدرك أنها لن تحييد عن البقاء في حالة تنسيق أمنى مع الاحتلال الذي يعد "الحبل السري لبقائها في الضفة"، وفق تعبيره.
وقال أبو عامر لـ "الرسالة"، السلطة تسعى للحيلولة دون الوصول الى مواجهة، عبر إجراءات سياسية، ولم تأت على ذكر وقف التنسيق الأمني او إطلاق معتقلين سياسيين وهي خطوات بما يشكل رد فعل أولي على هذه الجريمة.
أمّا الكاتب السياسي مصطفى الصواف، فأكدّ أن تصريحات السلطة محاولة لذر الرماد في العيون، مشيرًا إلى أن قضية الرد على هذه الجريمة لا تحتاج التوجه إلى المحكمة بل يكفي أن تكف يدها عن المقاومة، وأن مشروع السلطة هو تصفية القضية من الأصل.
وقال الصواف لـ "الرسالة"، إن هذه الجريمة اكدت حقيقة السلطة أنها أداة من أدوات الاحتلال.
أمّا ميدانيًا، فأوضح أبو عامر أن هذه الجريمة كان لها وقع مفاجئ على السلطة سياسيًا وميدانيًا، على اعتبار أنها ستشعل الأوضاع على عكس ما رغبت السلطة به، وهي تخشى من توتير الموقف الميداني ضد إسرائيل، ودافعًا للمقاومة بالرد.
ونوه إلى أن توجه السلطة هو عدم السماح باندلاع عمليات فدائية أو افساح المجال للمقاومة بالتحرك.