بالضفة.. أفراح مؤجلة بقرار سياسي

وقفة اعتصامية لأبناء المعتقلين السياسيين
وقفة اعتصامية لأبناء المعتقلين السياسيين

نابلس- الرسالة نت

بطاقات الفرح جاهزة للتوزيع على المدعوين، وصالة الفرح حجزت، وثوب فرح العروس بانتظارها لترتديه بأجمل ليالي عمرها، وكل التجهيزات تجري على قدم وساق تحضيرا لذلك اليوم.

وبغمرة الفرح، وعلى حين غرة، وبينما كان العريسان يحلقان سوية بأحلامهما الوردية التي رسما تفاصيلها معا، خُطِف العريس، على يد ابن بلده، ليصبح رقماً في قائمة طويلة من المعتقلين السياسيين في سجون السلطة.

رابع أيام عيد الفطر، كان من المقرر أن تكون ليلة العمر للشاب محمود عصيدة (28 عاما) من قرية تل قرب مدينة نابلس شمالي الضفة المحتلة، وذلك قبل أن يفتح عينيه ويصدم بتطاير أحلامه وعروسه، ليحبس بين أربعة جدران رمادية، تشكو ظلم سجانها.

"نحن من يحدد موعد زفافك" كلمات نطقها من يوصف بأنه قاض فلسطيني، موجها نظرة استعلاء وانتقام من محمود -كما وصفتها عائلته-، عندما احتج على قرار تمديد اعتقاله لخمسة عشر يوما، تنتهي رابع أيام العيد، وهو يوم زفافه.

والدة محمود التي لم تستوعب بعد غيابه يوم نتائج شقيقته الصغرى في الثانوية العامة ونجاحها بمعدل 90، كانت تجمع خيوط الأمل لدى ذهابها هي وعروسه لحضور المحكمة، آملة أن تجد صدى لصرختها، أو تلمس شيئا من فلسطينية القاضي، لكنه صب جلَّ ظلمه على 13 معتقلا ومدد اعتقالهم حتى بعد العيد، كان من بينهم العريس محمود.

وبدعوة قلب أم انفطر حزنا، قالت والدة محمود: "أدعو الله أن ينتقم لمحمود وكل الشباب الذين معه ممن ظلمهم".

وتمضي قائلة: "اعتقل محمود عند اليهود كثيرا، وعند السلطة أكثر، لكن الاعتقال هذا يساوي كل اعتقالاته، أن يكون اعتقاله قبل نجاح أخته بيوم، وقبل زفافه بأسبوعين، على يد السلطة فهذا أصعب وأقسى ولا يمكننا استيعابه".

واعتقل محمود عصيدة خلال حملة اعتقالات واسعة شنتها أجهزة السلطة بالضفة المحتلة قبل أيام، طالت ما يقرب من 180 من عناصر حركة حماس.

فرحة محمود ليست الوحيدة التي انتزعت جوراً من قلوب أصحابها، فالأسير المحرر مؤيد شراب، الذي أفنى زهرة شبابه متنقلا بين سجون الاحتلال، ليفرج عنه نهاية العام الماضي، لم يكن يعلم أيضا أن أبناء جلدته سينتزعونه من وسط عائلته ومن جوار زوجته التي كانت تعاني آلام المخاض حين اعتقاله.

"إسراء حمدي" زوجة المعتقل شراب، والتي وضعت مولودها "محمد" دون أن يرافقها زوجها تلك اللحظات، قالت بصوت أنهكه ظلم القربى قبل آلام جسدها: "جاؤوا لاعتقال مؤيد الساعة الثانية والنصف فجر الجمعة، وحينها التقينا بهم على باب المنزل أنا وزوجي، حيث كنت أعاني من آلام المخاض وكان زوجي يريد أخذي للمستشفى".

وتضيف لـ"الرسالة": "عندما شاهدونا بهذا الحال وبطريقنا للمستشفى، سمحوا لزوجي أن يرافقني شرط أن يسلم نفسه ظهر اليوم التالي بتعهد من شقيقه، وعندما وصلت للمستشفى تأجلت ولادتي ليومين، ومؤيد ذهب لمقابلتهم بعد أن اتصلوا عليه وهددوه باقتحام المنزل واعتقاله ظهر يوم الجمعة".

تتابع إسراء بعد تنهيدة: "خلال العامين الماضيين لم يكن مؤيد معنا في رمضان بسبب اعتقاله المتواصل لدى الاحتلال، وجاء رمضان الثالث هذا العام لتخطفه السلطة من بيننا مرة أخرى".

وتزامن اعتقال مؤيد مع موعد تأديته لامتحاناته في الماجستير، ورغم ذلك رفضت إدارة سجن الجنيد إدخال كتبه ليتمكن من الدراسة، علما أنه متفوق في تخصصه، وكان قد أمضى عشر سنوات بدراسة البكالوريوس بسبب الاعتقالات المتكررة لدى الاحتلال.

حال مؤيد وغيره من المعتقلين في سجن الجنيد في نابلس وصفه الصحفي خلدون مظلوم الذي أفرج عنه مؤخرا بعد اعتقاله لأيام خلال الحملة، "بأنه صعب ولا يمكن لأحد تحمله".

وأشار خلدون في حديثه لـ"الرسالة" إلى أن المعتقلين كانوا يطلبون مهاتفة أهلهم للاطمئنان عليهم ومن بينهم مؤيد الذي كان يطلب مهاتفة زوجته والاطمئنان عليها، لكن طلبهم كان يواجه بالرفض.

وقال خلدون: "طلب مؤيد عدة مرات الحديث مع زوجته، وفي أحد الأيام أرجع وجبة الإفطار ورفض تناول الطعام بعد أن سحبوا منه الفراش وعزلوه في زنزانة لوحده، ومنعوه من الاتصال بأهله، وطالبهم بإعادة ما سحب منه، والحديث مع أهله، فتم نقله للغرفة التي كنا فيها لكن لم يسمح له الاتصال بأهله".

وبعد يوم من قدوم ابنه "محمد" للدنيا سمح لمؤيد بالحديث مع زوجته إسراء لمدة دقيقة وخمس ثوان فقط، أخبرته خلالها أنها أنجبت طفلهما الثاني.

"من يرى مصيبة غيره تهون عليه مصيبته" بلسان هذا الحال واصل خلدون وصف حال المعتقلين داخل سجن الجنيد في نابلس، وقال: "عندما كنت أطلب أن أتحدث بالهاتف مع عائلتي للاطمئنان على طفلي المريض، وكانوا يمنعوني، كنت أنظر لأخ آخر معنا، وهو المعتقل رمزي أبو عيشة، والذي علم بنتيجة ابنه البكر في الثانوية العامة وهو داخل السجن".

وبعد ساعة من ذلك الموقف، عاد الضابط مرة أخرى، وسمح لرمزي الاتصال بابنه لمدة دقيقة واحدة فقط، علم حينها أنها تفوق بمعدل 93 بالمائة، وعاد للغرفة حابسا دموعه بعينيه، وكان يقول لمن معه بالغرفة "سهرت مع ابني بكر ساعة بساعة طيلة التوجيهي، والآن لم يفرح ولم أفرح معه بهذه النتيجة".

وبينما هو جالس يسمع أصوات الألعاب النارية التي ملأت سماء المدينة ابتهاجا بالنتائج، كان رمزي يهمس لمن معه في الزنزانة والغصة تخنق كلماته "الآن عائلتي لم تفرح، وألغوا مراسم الاحتفال بسبب اعتقالي".

وأشار الصحفي خلدون لـ"الرسالة" إلى أن كل من تم اعتقالهم خلال الحملة لم يتم التحقيق معهم على أي تهم، حيث اقتصر استجوابهم على أسئلة سريعة تناولت عدد مرات اعتقاله لدى الاحتلال والتهم التي اعتقل على خلفيتها، في مدة لا تتجاوز الثلاث دقائق، لافتا إلى أن هذا يدل على أن الحملة "انتقامية" ولا يوجد أي مسوغ قانوني لاحتجازهم واعتقالهم، كل ما تدعيه أجهزة السلطة لا أصل له.