دون حلقات الكعك المبهجة حل العيد بعامه الماضي على لهيب المدفعية.. ومن بقايا الركام استصلحوا الحياة في حي الشجاعية على دائرة مستديرة ورسموا للعيد فرحة بالكعك !
بين الحين والآخر كانت تضغط الحاجة أم فتحي بأناملها على كرات التمر حتى تلين وكأنها تفرغ ما بداخلها من ضغط نفسي وشوائب لا تزال عالقة في جدران القلب لذكرى عيد الفطر الأول لهدم منزلها ورحيل شقيقها شهيدًا.
في حين خفف الصغار بغنائهم "بكرا العيد وبنعيد وبندبح بقرة السيد" على نساء الحي من تذمرهم لتطاير غبار الركام والتصاقه بقطع الكعك قبل نضوجها، والتي راحت خلالها الحاجة أم فتحي في غفوة تخللها الكثير من الفزع والقليل من السلام، حيث حضرت أصوات المدفعية وجثث عائلة الشيخ خليل من تحت بيت الدرج واستيقظت على نداء جارتها "انحرق الكعك ديروا بالكم".
أهالي بوابة غزة الشرقية هم من انحرقت قلوبهم بدلًا من حلقات الكعك العام الماضي لا سيما ابان مجزرة الشجاعية التي ارتكبتها المدفعية الاسرائيلية واستهدفت خلالها منازل المدنيين وراح ضحيتها أكثر من 74 شهيدًا.
أم فتحي بتقاسيم وجهها التي ازدادت سنًا بعد معايشتها لتغريبة فلسطينية بنزوحها من بيتها قسرًا لم تكن بحاجة لمعرفة أصل كعك العيد وأنه يعود إلى العهد المصري القديم الا أنها تدرك بأنه ركن من أساسيات عيد الفطر وبدونه لا طعم للعيد لها ولأولادها.
"هنا الشجاعية رغم الألم" تلك الكلمات رسمتها جارات أم فتحي بعجينة الكعك في حالة لتحدي الألم بأمل جديد تزامنت مع ضرب الصبية بأرجلهم على الأرض فرحًا حينما نضجت أول "صينية" كعك وأعلنوا حالة الطوارئ فرحًا لاستقبال العزيز المنتظر!
مشاهد الدمار واضحة في شوارع الشجاعية كالمنصورة والنزاز والبلتاجي ومهما حاولت أم فتحي وممن بقي من جارتها من قوائم الأحياء أن تخفيها بقطع النايلون وحجبها عن نظر الصغار الا أنها ما فتئت تلاحقها من كل الجهات الأربع!
قرأت أم فتحي وجاراتها الفاتحة على أرواح شهداء الحي وختمها ابنها الصغير بالتساؤل: "ماش يمه عبود أخويا بياكل كعك بالجنة؟" لم تهدأ عينا النسوة من البكاء على من رحل كما تلك المدفعية الاسرائيلية التي لم تهدأ من تسديد ضرباتها تجاه الأمنيين في الرحب الأخيرة.
عم المساء وغفى الأمل وصغار الشجاعية تحتضن ملابس العيد ورائحة الكعك تفوح من ركامها لتعلن بأن الحياة ما زالت هنا وستبقى بصمود أهلها.