وسلاح المقاومة خارج المقايضة

"وقف النار" مقابل رفع الحصار

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

الرسالة نت- شيماء مرزوق

لا يمكن فهم الحراك الكبير الذي يدور في قطاع غزة منذ شهر تقريبا إلا أنه صفقة متكاملة ترسم ملامحها بأيدي دولية واقليمية وفلسطينية، ففجأة ودون مقدمات أعطى رئيس السلطة محمود عباس قبلة الحياة للورقة السويسرية الخاصة بدمج موظفي قطاع غزة في هياكل السلطة الفلسطينية، وأوفد رئيس وزرائه رامي الحمدالله إلى القطاع بعد شهور من التعالي واغراقه في الأزمات.

زيارة الحمدالله التي لم تحمل أي جديد الهدف منها ليس حل اشكاليات القطاع او نقاشها وانما حجز مكان في المشهد الجديد الذي يتبلور في غزة حاليا، خاصة أن قرار حل أزمات القطاع اتخذ دوليا واقليميا وبموافقة (إسرائيلية) بعد ان يئس الجميع من أن تنجز حكومة التوافق المشلولة أي من مهماتها المتفق عليها.

ملامح الصفقة بدأت تظهر بوضوح مع زيارة العديد من المسؤولين الدوليين لقطاع غزة خلال الشهرين الماضيين، لكن زيارة السفير القطري محمد العمادي كانت تتويجًا لهذا الحراك، خاصة ما حملته من انجازات على صعيد ملف الاعمار والبحث عن حلول لأزمة الكهرباء وغيرها من الملفات ما يؤكد وجود رغبة قوية في إنهاء معاناة غزة، وهو ما جعل فريق رام الله يشن هجومًا على قطر قبل أن يدرك ان الأخيرة لا تعمل وحدها، ولذا سارع عباس للتدخل.

زيارة العمادي حملت مدلولات قوية وتصريحات هامة حيث قال "قطر تعهدت بمليار دولار وستذهب جميعها للإعمار وتوصلنا لآلية منفصلة لإدخال الإسمنت للمشاريع القطرية".

ويبدو أن الزيارة جاءت بتوافق وغطاء عربي ودولي تقوده السعودية الدولة الأقوى في المنطقة العربية حاليا وبرضى أمريكي واوروبي، والحديث هنا يدور عن صفقة متكاملة تشمل "الرواتب، التهدئة، رفع الحصار، إدخال مواد الاعمار دون رقيب، فتح المعابر، إنشاء الميناء، مسح حماس عن قوائم الإرهاب الدولية، ولعب دور إقليمي، وتبادل الأسرى واستراتيجيات دولية جديدة تلعب فيها غزة دور مهم".

ويمكن القول أن غزة على موعد مع تغيير كبير وانفراج حقيقي بعد سنوات من الحصار والحروب والتضييق وهذا مرده إلى عدة متغيرات أهمها الوضع الاقليمي والذي بات المحرك الاساسي في عدد كبير من القضايا المحلية.

اللحظة الفارقة في هذا التغيير بدأت مع تولي الملك سلمان بن عبد العزيز عرش السعودية بالتزامن مع سيطرة الحوثيين على جزء كبير من مفاصل الدولة في اليمن وهو ما يعني تمدد إيران الى جنوب السعودية وسيطرتها على الحديقة الخلفية للمملكة.

هذا التمدد الايراني جنوب وشمال وشرق السعودية إلى جانب انتشار ظاهرة السلفية الجهادية المتمثلة في داعش واخواتها جعلت السعودية تشعر بخطر شديد يتهددها وباتت على قناعة بان الحل الوحيد هو وجود قوة اسلامية وسطية قادرة على التصدي لهذا التمدد وهي جماعة الاخوان المسلمين ومن ضمنها حركة حماس، وهذه رؤية الادارة الامريكية أيضا.

الكاتب الصحفي جمال خشقجي المقرب من دوائر صنع القرار في السعودية قال في هذا الإطار "حزب الإصلاح " الاخوان" هو القوة الوحيدة والمنظمة القادرة اليوم على عمل بعض التوازنات في اليمن".

وبناء على جملة التغييرات انتقلت السعودية وبعض حلفائها في المنطقة مرغمين من سياسية الاستئصال التام ضد الاخوان إلى سياسة الاحتواء والوصول الى حلول وسطية معهم في المنطقة اجمالاً، وهو ما ينعكس على حماس بطبيعة الحال.

وبات الإقليم على قناعة أن تهدئة الساحة الفلسطينية وخاصة جبهة غزة مطلب ضروري لضمان استقرار المنطقة وتسوية بعض الملفات الملتهبة ومن هنا بدأ البحث عن تثبيت الهدنة الهشة في غزة وحل ازماتها.

المتغير الثاني هو ما شكلته نتائج الانتخابات الإسرائيلية من صدمة لدى فريق السلطة الذي ما زال يعول على عملية التسوية والمفاوضات، خاصة بعد حديث بنيامين نتانياهو رئيس حكومة الاحتلال بأنه لن يسمح بقيام دولة فلسطينية بمعنى انه قطع الطريق على أبو مازن وأعطى رسالة نهائية مفادها أنه لن يعطي شيئًا لفريق التسوية.

خيبة الأمل الكبيرة من فوز نتانياهو وضعت رئيس السلطة في موقف حرج وقضت على أوهام التسوية وانهاء الصراع، وهذا ما عمّق من أزمته واجبره على اللجوء للمصالحة مع حماس مرغما بعد نفاد كل خياراته ورهاناته.

فوز نتانياهو وان كان تكريس لسيطرة اليمين المتطرف على دولة الاحتلال لكنه في المقابل قد يشكل ضمان لفترة هدوء طويلة مع غزة، خاصة انه خاض حرب لأكثر من خمسين يوماً ضدها وخرج منها بخيبة كبيرة أسقطت هيبة جيشه أمام شعبه والعالم، وبالتالي فإن كان يريد الحفاظ على فترة ولايته الجديدة بهدوء فعليه أن يضمن جبهة غزة، ولذا تلقف مقترح التهدئة بشغف وأبدى مرونة عالية اتجاه حل جميع أزمات القطاع.

وتشير المعلومات إلى ان المطالب التي برزت أثناء وبعد مباحثات وقف إطلاق النار من ربط الإعمار بتسليم سلاح المقاومة لم تعد قائمة، خاصة أن الجميع بات يدرك وعلى رأسهم الاحتلال الإسرائيلي أن هذا المطلب حماس لن تسمح بمناقشته وبعد كل سنوات الحصار وتعطيل الاعمار لشهور طويلة للضغط عليها ما زالت ثابتة على موقفها.

ويبدو أن الاحتلال استسلم لواقع غزة وبدأ بخفض سقفه من نزع سلاح المقاومة فيها إلى منع تمددها للضفة الغربية، وهذا الوضع فعلياً قائم بسبب ممارسات أجهزة امن السلطة.

ومع غياب الوسيط المصري يمكن الحديث عن خطين من الضمانات لأي اتفاق قادم الأول هو وساطات اوربية، والثاني والأهم بالنسبة لحماس هو قوتها العسكرية والميدانية إلى جانب المتغيرات التي تسير في صالحها كما يبدو.

وبحسب مصادر خاصة فإن الدول العربية ستكون حاضرة بقوة على اعتبار ان أي اتفاق وما سيتبعه من مشاريع تقام في غزة ستكون بتمويل عربي واشراف اوروبي، ولذا فان جميع الاطراف تحرص على الوصول لتهدئة طويلة لتنجز مشاريعها وتضمن عدم تدميرها مجدداً.

وبناء على ما سبق يمكن القول إن الصفقة على وشك النضوج والمباحثات تجري في غزة على قدم وساق وهو ما جعل ابو مازن يسارع لإرسال رئيس حكومته كي يجد لنفسه مكان في هذا الاتفاق قبل أن يفوته القطار.