"عصفور الشمس" طيرًا وطنيًا لفلسطين.. لا داعي للاستغراب أو السخرية فهذا قرار رسمي صادر عن مجلس الوزراء الفلسطيني الذي خصص جلسته الأسبوعية يوم الثلاثاء لمناقشته وإصدار بيان بخصوصه.
من يقرأ الخبر أو بيان الحكومة يعتقد للوهلة الأولى أنها مزحة أو كذبة شباط؛ لكنها حقيقة، فالحكومة الفلسطينية التي شكلت نتيجة لاتفاق الشاطئ في ابريل الماضي لتحل أزمات الشعب الفلسطيني الناتجة عن الانقسام والحروب والأزمات الضاربة في العمق الفلسطيني لم تجد ما تضعه على جدول أعمالها من كل ذلك غير قضية عصفور الشمس.
"بات لدينا أمام العالم عصفور وطني يعرف باسم فلسطين"، لا تغضب عزيزي القارئ إذا ما زالت لا تحمل هوية او اوراقا ثبوتية، ولا تحقد على ذاك الطير المسكين الذي نال من الحظ والشرف ما لم تنله، فيبدو أن الحكومة تهتم بثروتها من الحيوانات والطيور أكثر من البشر.
وبخلاف كل الدول فإن يوم الثلاثاء المحدد للاجتماع الاسبوعي للحكومة لا يلقى اي اهمية عند المواطن الفلسطيني الذي يعلم ان حكومته "زي قلتها" ولا يصدر عنها شيء يمكن التعويل عليه، في المقابل فإن القرار الأخير يعكس مستوى "الفضاوة" الذي وصلت اليه حكومة التوافق فقد ألقت بكل الملفات السياسية والاقتصادية الضخمة في الأدراج.
ولو سنحت الفرصة لأحد غير مطلع على الوضع الفلسطيني أن يقرأ الخبر سيظن أن هذا الشعب الذي يحظى بحكومة تصدر قرارا مماثلا يعيش حياة وردية ورفاهية لا مثيل لها لدرجة ان حكومته لم تجد مشكلات تناقشها أو تصدر بشأنها قرارات غير الذي أصدرته.
عشرات الآلاف من المواطنين المدمرة بيوتهم في غزة وأضعافهم من العاطلين عن العمل والذين يجوبون القطاع بحثا عن الجمعيات التي تقدم مساعدات إنسانية تساعدهم على توفير قوت أطفالهم، وأكثر من عشرة آلاف مواطن عاجزون عن السفر بسبب اغلاق معبر رفح، وقرابة 40 ألف موظف لم يتلقوا رواتبهم منذ تشكل الحكومة، إضافة إلى الأسرى الذين يعيشون حالة غليان غير مسبوقة والاستيطان الذي ينهش أراضي الضفة، كل هذه قضايا انتهت الحكومة من حلها ولم تعد تجد ما تناقشه فلجأت للبحث عن مشكلات الطيور كونها فلسطينية أيضاً ولها حق على الحكومة.
من ناحية أخرى يمكن النظر إلى خطوة الحكومة بإيجابية فالجميع يعلم أنها حكومة مقلمة الاظافر ومنزوعة الصلاحية، وبناء عليه يبدو ان السادة الوزراء "حبو يحللو مالهم" فاتجهوا الى مناقشة قضايا يمكنهم البت فيها ويملكون صلاحيات لاتخاذ قرارات بشأنها دون الرجوع للرئيس محمود عباس الذي يكبلهم في الملف السياسي والمالي لكنه يمنحهم صلاحيات مطلقة في ملفات أخرى كالفن ودعم مشتركي برامج المواهب وقضايا الحيوانات والطيور.
وان كان الخبر بالنسبة اليك عزيزي القارئ مدعاة للسخرية والضحك فانه ليس كذلك أبدا بالنسبة لحكومتك الغراء التي هي أبعد ما تكون عن مشكلاتك وقضاياك، فهي تأخذ الأمر على محمل الجد وتنظر لقضية عصفور الشمس على انه قضية وطنية من الطراز الأول.
ويبدو أن الصراع الفلسطيني (الإسرائيلي) بدأ يأخذ منحى جديدا وغير مسبوق خاصة أن الاحتلال حاول تسمية عصفور الشمس باسم (العصفور البرتقالي) لوجود ريشة برتقالية أسفل الرقبة، لكنها فشلت، وهذا في حد ذاته انتصار جديد يسجل للفلسطينيين.
وفي حين تتردد الحكومة في مقارعة الاحتلال في المحافل الدولية ومحاكمته على جرائمه ضد الإنسان الفلسطيني والأرض التي انتزعها وتغول عليها بالاستيطان، لجأت لمقارعته في مجال الطيور، حيث ترى الحكومة أن هذا القرار مهم جدا سياسياً وعالمياً، كما جاء في البيان.
وترى الحكومة والعديد من المؤسسات التي تعنى بهذا المجال ان القرار هام على مستوى المحافظة على الثروة الحيوانية والطيور الفلسطينية في حين لا يحظى الانسان الفلسطيني بذات الاهمية لدى حكومته التي تتجاهل الأوضاع الكارثية التي يعيشها داخل وخارج الأراضي الفلسطينية.
"أبو العبد" أو "السود" كما يطلق عليه في الريف الفلسطيني من المتوقع أن يؤجج الصراع الفلسطيني (الإسرائيلي) عقب القرار الأخير لأن العصافير من حملة الهوية الفلسطينية لهم حقوق لا يمكن التهاون بها.
لكن المخاوف تتزايد أيضا من تأثير القرار على الوضع الفلسطيني الداخلي أيضاً كون اتفاق المصالحة الذي شكلت بموجبه الحكومة لم يعطها الصلاحيات للبت في قضايا الطيور وحدد لها مهام أخرى منها الاعمار والتحضير للانتخابات والمصالحة المجتمعية وغيرها التي لم ينجز منها شيء حتى الآن.
وبعد قرار عصفور الشمس ننتظر من الحكومة قرارا قويا وحاسما بتسجيل السوسنة كزهرة فلسطين كما تطالب المؤسسات المعنية بالحياة البرية.
ومع ادراكنا أن (إسرائيل) تسعى لتهويد كل ما هو فلسطيني حتى اللباس والطعام والطيور والنباتات، لكن الأولى بالحكومة أن تنظر للإنسان الفلسطيني المعذب والمشرد وتحاول القيام بجزء يسير من واجباتها اتجاهه قبل ان تنظر لأزمات الطيور.