عباس يُحرض على المقاومة توددا لـ(إسرائيل) والغرب

عباس ورئيس السويد
عباس ورئيس السويد

الرسالة نت -محمود هنية

كعادته ذهب رئيس السلطة محمود عباس ليعزف سيمفونيته القديمة ضد المقاومة الفلسطينية ووصفها بالإرهاب، غير أن هذه المرة أضاف اليها المقاومة اللبنانية ممثلة بحزب الله، والتي راق لبعض قياداته التمجيد به سابقًا من باب الكيد لحماس، فينقلب عليه اليوم ويدرجه في اتون الإرهاب.

لم تسلم حماس وحزب الله من تحريض عباس خلال جولته في عدة عواصم أوروبية وربطها بتنظيم الدولة، هذا ما كشفت عنه صحيفة لبنانية في تقرير لها، قالت فيه إن عباس حذر الأوروبيين من أن فصائل وقوى مثل حماس والجهاد وحزب الله وداعش ينتظرون فشل المفاوضات لإثارة الإرهاب في العالم.

وقالت الصحيفة إنّ ما يعرفه عباس هو تشكيل مسألة الإرهاب هاجسًا ملحًا لدى الأوروبيين والأميركيين، وأن الشركاء الدوليين للسلطة الذين حرصوا الحفاظ عليها كشريك "وحيد لهم"، سيخسرونه إن لم يساعدوه واستمرت الانتفاضات العربية.

وردد عباس خلال اجتماع مغلق أنه "إذا لم ينجح هذا الحل، عبر المفاوضات وحل الدولتين، فالبديل هو أن منظمات إرهابية تنتظر بفارغ الصبر توقف المفاوضات وفشل التنسيق الأمني مع (إسرائيل) لتحويل المنطقة إلى فوضى كما حصل في سوريا والعراق".

أراد عباس أن يبدو بمظهر المحنك سياسيًا ومن يجيد اللعب على الوتر الحساس الذي يجعل مستضيفيه يفتحون آذانهم جيدًا، فذهب يعزف سيمفونيته التي يروق لهم سماعها، مستغلًا المتغيرات الإقليمية بالمنطقة أبشع استغلال، ضد المقاومة وحلفائها في المنطقة، كي يكسب ود الغرب ويساعدوه في استمرار المفاوضات.

مواقف معيبة

الفصائل والسياسيون لم يستغربوا هذه التصريحات، فقد قللت حماس من أهميتها، بينما رفض قيادي بحزب الله التعليق وقال "الحزب لا يعطي قيمة لمواقف وأشخاص لا قيمة لهم".

المستشار السياسي السابق أحمد يوسف، أكد أن هذه التصريحات تفتقد الى الحكمة ومن شأنها أن تخلق فتنة داخل الشارع الفلسطيني وتعقد الأمور بشكل أكبر بين السلطة وحماس.

وقال: "إن كان من المهم أن نحظى بتعاطف أوروبي لصالح قضيتنا، لكنه لا يتأتى عبر القول بأن البديل عن الحل السياسي هو الإرهاب، لأنه تقدير موقف يختلف معه كل الشعب الفلسطيني".

ولم يرق ليوسف ما أقدم عليه عباس من زج لفصائل المقاومة العربية المؤيدة للحق الفلسطيني في اتون الخلاف واستعدائها عبر اتهامه لحزب الله وربطه بداعش.

أمّا الخبير السياسي الدكتور عزام التميمي مدير معهد الفكر السياسي، فأكدّ أن مثل هذه السيمفونيات اعتاد عباس وجماعته ترديدها عبر السفارات الفلسطينية المتواجدة بالخارج، معتقدًا أن الجديد فيه هو توجيه ضربة لإفاقة من كان يعتقد إمكانية أن يظهر الرجل تعاملًا ايجابيًا.

وقال إن عباس كان يسوق نفسه لدى الغرب على مدار العقدين السابقين أنه بديل عن حماس "الإرهابية"، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الأوروبيين غير متقنعين بهذه التهم، غير أن السياسة الخارجية الأوروبية تعتبر حماس إرهابية من مبدأ الالتزام بالعلاقة مع أمريكا كونها حليف استراتيجي لها فحسب.

خدمات مجانية

وقلل التميمي من تأثير هذه التصريحات لدى الرأي الغربي وصناع القرار في المجتمع الأوروبي، خاصة أنهم يتعاملون مع عباس على أنه "مأزوم ومحبط"، منوهًا إلى أن السياسات الخارجية لا تبنى على تصريحات من هذا الطرف او ذاك كي تبنى على قناعات "السلطة"، التي تروج لها باستمرار.

من جهته، قال الخبير الاستراتيجي أمين حطيط المقرب من حزب الله اللبناني، إن الحزب لا يقيم وزنًا لهذه المواقف التي تصدر عن السلطة، خاصة أن الجميع يعلم أنها خاوية اليدين وفاقدة للتأثير، معتقدًا أن عباس قدّم أفضل ما يريده الإسرائيلي، وقد قدم خدمات غير مسبوقة.

وقال إن عباس أراد أن يخاطب الغرب بلغتهم، فقدم خدمة خطيرة جدًا لـ(إسرائيل)، لأنه جعل من المقاومة ارهابًا، وربطها بالقوى الصادمة في المنطقة، وبهذا يكون قد أسقط أوراقا مهمة من يد الفلسطينيين وأهمها ورقة المقاومة وسط غياب حالة الموازين الاستراتيجية.

وأضاف " عتقد أن عباس يمثل النموذج الذي عمل على تصفية القضية منذ توقيع اتفاق أوسلو لهذا اليوم، ولا يمكن أن ينتظر منه شيء جديد"، أمّا على مستوى التأثير فتصريحاته أقل بكثير من أن يأخذ بها المجتمع الأوروبي.

استغلال قانوني

أمّا على الجانب القانوني، فإنّ تصريحات عباس صبّت في صالح الاتحاد الاوروبي الذي يسعى لاستئناف الحكم ضد حركة حماس وإعادة ادراجها لقائمة الإرهاب؛ غير أن هناك من الوسائل والأساليب ما يمكن لدفاع حماس أن يرده على عباس والأوروبيين ان استعانوا بتصريحاته كدليل على ادانة الحركة، كما قال خالد الشولي محامي حركة حماس لـ"الرسالة".

وفنّد الشولي اتهامات عباس الموجهة ضد الحركة بالإرهاب، ومحاولة تشويه مواقفها من خلال ربطها بتنظيم داعش، مستشهدًا بإدانة حماس للتفجيرات التي استهدفت بعض الدول العربية، وتصريحاتها المتكررة بحصر مقاومتها ضمن الإقليم الفلسطيني المحتل كدليل على عدم تورطها بما يسمى "الإرهاب".

وأوضح أن جهود حماس الرامية لرفع اسمها من قائمة الإرهاب ورفضها الاصطفاف في صف المنظمات الإرهابية، هو دليل على أنها تريد العمل ضمن الأعراف والمواثيق الدولية.

وأضاف "من حقها كأي جماعة ترزح تحت الاحتلال العمل على ازالته بنص القانون الدولي"، منبهًا في الوقت ذاته إلى أن الحركة خرجت من رحم الشعب وتحصر اعمالها ضمن نطاق الأراضي المحتلة.

وتوقع أن تستغل تصريحات عباس اوروبيًا ضمن الاتهامات الموجهة لحماس، غير أنها قانونيًا يمكن تفنيدها، والا " فكيف يسعى عباس المصالحة مع تنظيم يصفه بالإرهابي؟!".

ولفت إلى أنه يحسب للحركة تصريحاتها المتكررة بحصر اعمالها ضمن نطاق الإقليم الفلسطيني المحتل.

وبيّن أن الاتحاد الأوروبي لم يضع لائحة الاستئناف ضد حماس كما هدد من قبل لهذه اللحظة، مشيرًا إلى أن الموعد الأخير لاستئناف الحكم في السابع والعشرين من الشهر الجاري. مؤكدًا أن اتهامات عباس للحركة لا يعتد بها قانونيا، خاصة أن ذلك يتناقض مع الشروط التي تضعها المحكمة الأوروبية العليا.

ونوه إلى أن الأوروبيين صادقوا على قرار الاستئناف عقب احداث باريس، وهو الامر الذي تتزامن معه تصريحات محمود عباس.

وأوضح أن من شروط المحكمة لإدراج أي مؤسسة أو منظمة تحت قائمة الإرهاب، أن يكون هناك حكم صادر ضد الحركة في احدى الدول الأوروبية او أن تعمل على حجب أموالها، وهذا الامر غير موجود في حالة حماس، وبالتالي فهذه الإجراءات خيالية ولا مصداقية لها.

وبمعزل عمّا أجمع عليه الخبراء والمراقبون من تقليل لأثر مثل هكذا تصريحات على البعدين السياسي والقانوني، غير أنها تحمل في طياتها مخاطر جمة على الصعيدين الأخلاقي والقيمي وكذلك على صعيد القضية، إذّ يتعمد رئيس السلطة وممثل الشرعية الانتقاص منها ومن فصائلها في كل محفل، بانتظار أن ينتهي الأمر إمّا برحيل الرجل سياسيًا أو أن يلقى وجه الله.