باتت المصالح والعلاقات السياسية هي التي يمكن أن تحدد مستقبل قطاع غزة، على ضوء قطع رئيس السلطة محمود عباس ورئيس وزرائه رامي الحمدالله خيط الود مع غزة، بصم الآذان عن مطالب القطاع المتعلقة بصرف رواتب الموظفين، أو تفعيل إعادة الاعمار، وفتح المعابر.
ذلك يعني أن الخيارات لم تعد منحسرة في العلاقات مع الإقليم (تركيا-قطر) بالنسبة إلى حركة حماس مثلا، فربما يدفع الواقع للتصالح مع الخصوم (محمد دحلان)، إن كان ذلك سيشكل رافعة لكسر الحصار، أو يلبي الحاجة الانسانية المتعلقة بفتح المعابر كافة.
غير أن حماس لا تزال تبقي يدها مبسوطة أمام "أبو مازن"، وإن كان الأخير قد غلّها إلى عنقه، ولنا في تصريح مسؤول العلاقات الخارجية في الحركة أسامة حمدان، المتعلق بإصرار حركته على إعطاء فرصة لحكومة التوافق رغم الاختلاف معها، خير دليل على أنها لم توصد الأبواب بعد في وجه الرجل الثمانيني أو حكومته.
هذه الفرصة التي تعطيها حماس في هذا الوقت بالتحديد -الذي يعاني فيه القطاع أزمة انسانية خانقة على مستويات عدة أبرزها الاقتصادي والصحي-يرى فيها مراقبون أنها دلالة على الالتزام باتفاق المصالحة، في الوقت الذي سجلت فيه بعض قيادات الداخل نقطة نظام، تعبيرا عن رفضها منح فرص أخرى للحكومة على حساب المواطنين البائسين.
وراجت أنباء عن تقاطع العلاقات بين حماس ودحلان، غير أنه سرعان ما خفت صداها في الأرجاء، وربما كان ذلك محركا وراء التقاء أبو مازن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ومن قبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ لبحث جملة قضايا.
وجاء نبأ إعادة فتح معبر رفح بشكل مؤقت ثلاثة أيام -تبدأ من غد الثلاثاء-ليشير إلى الدور الذي لعبه أبو مازن حتى يحسب لنفسه انجازا يتعلق بفتح المعبر، لا إلى خصمه "دحلان" الذي كان قد وعد أهالي غزة العالقين داخليا بإنهاء معاناتهم، لولا اختطاف ضابط مصري في سيناء وقتله قبل نحو اسبوع.
عمليا، لا يرى مراقبون ومنهم المستشار السياسي السابق يوسف رزقة في فتح المعبر تخفيفا من المعاناة الممتدة، على اعتبار أن ازمة قطاع غزة سياسية وليست اغاثية، ومرهونة بثلاثة أطراف "بعض الدول العربية واسرائيل والسلطة الفلسطينية"، كما قال.
وعلى ضوء ذلك يؤكد رزقة أن القطاع سيكون امام خيارات صعبة في المرحلة المقبلة؛ "لأن حشر الانسان بين أربعة جدران يولد الانفجار"، على حد وصفه، وبالتالي هو لا يستبعد الانفجار في وجه العدو (تصعيد) أو حدوث حرب، إذا لم تحدث مراجعات للمقاربات السياسية حتى تعود غزة تمارس حياتها الطبيعية.
ولكن بالعودة إلى ملف القيادي المفصول من حركة فتح "دحلان" فإن التعاطي مع حماس في الفترة الحالية يعد أمرا مهما بالنسبة للرجل المقيم في الأمارات بصفته مستشارا أمنيا للدولة، وهو الحل الأمثل حتى يستطيع أن يستعيد مجده المفقود في ظل الصراع ضد "عباس" على قيادة الحركة.
وتشير المعطيات إلى أنه ليس من المستبعد أن يطأ "دحلان" مسقط رأسه "غزة"، انطلاقا من المصالح المشتركة التي يمكن ان تعطي للرجل فرصة في جمع صف حركته المشتت على الأقل داخل القطاع ويتجهز لليوم التالي لخلافة ابو مازن، ومن ناحية ثانية يساعد في تخفيف الحصار عن غزة وفتح المعابر، بصفته مهندس اتفاق المعابر 2005 الذي يدعمه الاتحاد الأوربي.
لكن السؤال الأبرز، هل يمكن أن تغلب المصالح المشتركة بين مصر والسلطة على العلاقة مع "دحلان" ودوره في المرحلة القائمة، لاسيما بعد وصف فتح المعبر بشكل مؤقت على أنه ثمرة لقاء السيسي-عباس؟
هنا، يلفت القيادي في حركة فتح سفيان أبو زايدة، إلى حجم التقارب بين القاهرة ودحلان، وقد أشار إلى أن الأولى غير ملزمة بموقف "عباس" اتجاه خصمه "دحلان"، مبينا أن لقاءً جمع الرجل الأمني بالرئيس المصري في وقت سابق، وتحدثا مطولا "وهذا اللقاء لم يكن الأول وليس الأخير"، على حد وصفه.
هذا يؤكد قطعا أن العلاقة بين الرئيس المصري مع دحلان ربما تفوق العلاقة مع سلطة ابو مازن، وإن كانت قد نفت مصادر في الرئاسة المصرية ما تردد عن لقاء جرى مع (أبو فادي).
نتيجة لذلك، فإن حماس لن تسد الباب في وجه أحد ما دام يمكن أن يقدم لقطاع غزة ما يعينه على تخفيف أزمته الانسانية الخانقة، في ظل عجز فصائل العمل الوطني عن قيادة دفة المرحلة؛ نظرا لتهرب الحكومة من مسؤولياتها.
ووفق كثير من المراقبين، فإنه إذا كانت الدبلوماسية الناعمة ممكن أن تصنع انجازا، فلا حاجة إلى غبار المعارك؛ لأن الهدف والغايات الخروج من عنق الزجاجة، في ظل حالة الانشغال العربي والمتغيرات المحيطة.
بالمجمل، تشير الأمور إلى أن خيارات حماس لم تعد مرهونة بدور أبو مازن وما تجود به سلطته من فتات على غزة -التي تعاني من عتمة وجوع-حتى لو اضطر الأمر الحركة للتحالف مع أعداء الأمس لفك طلاسم الحصار؛ لأن عدو عدوي صديقي.