تُصر "قيادة السلطة" على طرق باب مجلس الأمن مجددا، بعد فشلها في تمرير المشروع العربي الفلسطيني المقدم لإنهاء الاحتلال (الإسرائيلي) وفق جدول زمني، الأمر الذي يعتبره الساسة والمحللون "مضيعة للوقت"، وأنه يجب التركيز على محاكمة قادة الاحتلال على جرائمهم بعد التوقيع رسمياً على الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية.
وكان مشروع قرار فلسطيني -مدعوم عربيا- لإنهاء الاحتلال حتى نهاية عام 2017، فشل في أن يحظى بدعم الأصوات التسعة اللازمة خلال التصويت عليه من أعضاء مجلس الأمن.
السياسة تتغير كل ساعة
وتعترف السلطة في رام الله أنها كانت تعلم مسبقا بأن مشروع القرار الفلسطيني العربي لن يمر في مجلس الأمن، الأمر الذي يؤكده غسان عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، بالقول "الجميع كان يعلم بأن مشروع القرار لن يمر في مجلس الأمن".
لكن الشكعة اعتبر في حديثه لـ"الرسالة" أن هذا لا يمنعهم من تكرار تجربة الذهاب لمجلس الأمن مرة واثنتين وثلاثة، مبررا ذلك بأنه بين المرة والمرة هناك جهودا تبذل ويمكن إقناع بعض الدول لتغيير موقفها بالإيجاب.
ومن وجهة نظر الشكعة "فإن السياسة تتغير في كل ساعة"، لافتا إلى أن كل البرلمانات الأوروبية لم تكن تعترف بوجود الشعب الفلسطيني ولكنها اليوم اعترفت بوجوده وأوصت حكوماتها بأن تعترف بالدولة الفلسطينية.
يذكر أن معظم القوى والأحزاب الفلسطينية كانت قد رفضت صيغة القرار الذي تم تقديمه لمجلس الأمن وطالبت سحبه بسرعة، إلا أن رئيس السلطة محمود عباس أعلن أنه لن يلتفت إلى رأيهم وأنه ماضٍ في تمرير القرار، ولم يطلب من المعارضين توضيحا لسبب الرفض.
دبلوماسية
بدوره اعتبر مصطفى البرغوثي أمين عام المبادر الوطنية، بأنه ليس المهم عودة السلطة مجددا إلى مجلس الأمن ولكن الأهم ماهي صيغة القرار الذي سيقدم؟، مشيرا إلى أنه إذا كان بنفس الصيغة السابقة فهذا "غير مقبول"، أما إذا قُدم بالصيغة الأصلية فهذا أمر "جيد".
وبرر البرغوثي في حديثه لـ"الرسالة" القبول بتقديم مشروع القرار مجددا بصيغته الأصلية، بأنه سيتوفر مع التغيير الذي جرى في مجلس الأمن أكثر من تسعة أعضاء سوف يؤيدون القرار وبهذه الحالة سيُسبب هذا الأمر حرجاً للولايات المتحدة التي تضطر لاستعمال "الفيتو" لإيقاف المشروع الفلسطيني.
ولم يبدِ يحيى موسى القيادي في حركة حماس، أي تفاؤل حيال قرارات السلطة وقيادتها، فقد ذكر أن "قيادة السلطة" تعبر عن إفلاس برنامجها السياسي ولا تتمتع بالشجاعة الأدبية في أن تصارح شعبها بأنه "فاشلة"، مشيرا إلى أن عباس يحاول دائماً أن يهرب إلى الأمام.
وذكر موسى لـ"الرسالة" أن عباس ليس لديه ما يضيفه للساحة الفلسطينية وأن ما يفعله الآن نوع من "التخاريف السياسية". وقال "بدلا من أن يختار عباس خيار المقاومة"، مبينا أن الأخير يحافظ على خيار التسوية حفاظا على امتيازاته واسرته وأن يكون متحكما في القرار وفقا لأمريكا و(إسرائيل).
تفرد في القرار
من ناحيته، عبر خضر حبيب القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، عن اعتقاده بأن السلطة لا تزال تراهن على تمرير قرار المشروع الفلسطيني في مجلس الأمن لكنه رهان خاسر، على اعتبار أن الأعضاء في هذا المجلس سوف يتغيروا في العام 2015.
كما عبر حبيب لـ"الرسالة" عن موقف حركته الرافض لمشروع القرار المقدم من قبل السلطة لمجلس الأمن، مفسراً رفضهم بأن المشروع يهبط بالحقوق الفلسطينية إلى أدنى مستوى عرفته القضية الفلسطينية، ناهيك عن أنه مشروع "تفردي" بعيد عن الإجماع الفلسطيني وكان ينبغي على عباس أن يحاول عرضه على قيادات الشعب الفلسطيني والمؤسسات، وفق رأيه.
كل الاحتمالات واردة
وبعد أقل من 24 ساعة من فشل المشروع العربي الفلسطيني المقدم إلى مجلس الأمن، سلمت السلطة وثائق الانضمام لـ20 معاهدة دولية من بينها محكمة الجنايات، الأمر الذي لطالما كان يطالب به الكل الفلسطيني منذ مدة.
وعقِبَ ذلك جمدت (إسرائيل) وقف تحويل مبلغ 500 مليون شيقل من العائدات الضريبية العائدة للسلطة برام الله، كما لوحت الولايات المتحدة بقطع المساعدات عن السلطة.
وفي وقت قلل فيه "البرغوثي" من تهديد الولايات المتحدة بقطع المساعدات، فقد شدد على أن ذلك يجب أن يدفع الجانب الفلسطيني إلى مزيد من الإصرار على هذا التوجه قائلا "فليقطعوا المساعدات لأنها أصلا مخصصة لأشياء لا تفيد الشعب الفلسطيني ونصفها يرجع لأمريكا، ونحن على كل حال إذا أُجلي الاحتلال فلن نحتاج إلى أي مساعدات".
ودعا البرغوثي لوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال كرد فوري على احتجاز (إسرائيل) لأموال السلطة ، معتبرا ذلك قرصنة مالية ولصوصية.
بينما عبر "حبيب" عن تأييد حركته لخطوة التوجه لمحكمة الجنايات الدولية، مشددا على أهمية مُضي الفلسطينيون في هذه الخطوة إلى النهاية لمحاكمة قادة الإجرام في الكيان الصهيوني، وقال " ليكن ما يكون فنحن نتوقع من (إسرائيل) ردا على هذه الخطوة التضييق على السلطة والشعب الفلسطيني ومقاومته وخاصة من الولايات وحلفائها ".
لا قيمة للتوقيع بلا فعل
أما موسى القيادي في حماس، فقد أكد جازما أن عباس لن يذهب إلى الجنائية الدولية رغم أنه أرسل مواثيق الانضمام إلى المحكمة للتوقيع عليها، معتبرا أن هذا التوقيع لا قيمة له مالم يُتبع بالذهاب فعليا للجنائية الدولية وتقديم الشكاوى ضد الاحتلال ومحاسبته.
وأوضح موسى أن عباس لن يقدم على هكذا خطوة، وإنما يريد تقديم ذلك للاستهلاك المحلي لتكبيل الحركة الوطنية الفلسطينية و"تبريد" الساحة الفلسطينية لكي لا تثور بانتفاضة عارمة عليه وعلى الاحتلال الذي يحميه، مشددا على أن عباس يراوغ ولا يسير في الاتجاه الصحيح والاختبار الحقيقي له قبل الذهاب للجنائية الدولية أو غيرها هو بتحقيق اللحمة الوطنية على الأرض والعمل على رفع الحصار عن غزة وإعادة الإعمار.
يشار إلى أن عشر سنوات قد مرت "دون تنفيذ" رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري اتجاه جدار الفصل وعدم شرعيته والمبني على الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث كان قرار المحكمة الذي صدر في التاسع من تموز يوليو عام 2004، قد طالب (إسرائيل) بإزالة الجدار من كل الأراضي الفلسطينية بما في ذلك القدس الشرقية وضواحيها مع تعويض المتضررين من بناء الجدار.