الخليل .. التطهير العرقي والإبادة الخليل .. التطهير العرقي والإبادة

غزة.. أحلام الجامعة والعمل معلّقة على حاسوب

الرسالة نت - خاص



لم يكن الحاسوب بالنسبة إلى راما أحمد مجرد جهاز إلكتروني، بل كان بوابتها إلى التخصص الذي حلمت بدراسته بعد اجتياز الثانوية العامة. غير أن ارتفاع أسعار الأجهزة في قطاع غزة، في ظل منع إدخالها وقطع غيارها، وضعها أمام خيار لم تكن ترغب فيه؛ فبدلًا من الالتحاق بتخصص نظم المعلومات، اضطرت إلى تغيير مسارها الأكاديمي والبحث عن تخصص لا يتطلب امتلاك جهاز حاسوب تعجز عن شرائه.

لم تكن راما وحدها أمام هذا الخيار الصعب، إذ بات امتلاك حاسوب مناسب شرطًا تعجز عنه شريحة من الطلبة الراغبين في دراسة التخصصات التكنولوجية والهندسية، بعدما تحوّل الجهاز من أداة تعليمية أساسية إلى عبء مالي يفوق قدرة كثير من الأسر التي أنهكتها الحرب وتداعياتها الاقتصادية.

وبينما كان الطلبة يستعدون لبدء مرحلة جديدة من حياتهم الجامعية، وجد بعضهم أنفسهم مضطرين إلى التفكير في كيفية تأمين ثمن الحاسوب قبل اختيار التخصص، فيما اضطر آخرون إلى التخلي عن أحلامهم أو تأجيلها، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى المهارات الرقمية وفرص العمل المرتبطة بها.

سوق عطشى وأجهزة بأسعار تفوق القدرة

في أسواق غزة، لم تعد أزمة الحواسيب مقتصرة على ارتفاع أسعار الأجهزة الجديدة، بل امتدت إلى المستعملة وقطع الغيار ومستلزمات الصيانة، في ظل تراجع المعروض واستنزاف المخزون المحلي.

ويقول المهندس محمد صلاح، أحد أصحاب محلات بيع أجهزة الحاسوب، إن الأسواق تعيش حالة من التعطش للأجهزة الجديدة والمستعملة وقطع الغيار، ولا سيما الشاشات، موضحًا أن الأزمة اشتدت عقب منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال الأجهزة وقطع الغيار إلى القطاع، إلى جانب تدمير كميات كبيرة منها خلال الحرب.

ويضيف أن قصف عدد من المخازن أدى إلى فقدان مخزون من الأجهزة والمعدات، فيما ترك النزوح القسري كثيرًا من المواطنين خلفهم منازلهم ومقتنياتهم، بما فيها الحواسيب والأجهزة الإلكترونية، وهو ما فاقم النقص في السوق.

ويشير صلاح إلى أن الأزمة تزداد تعقيدًا في ظل عدم وجود أفق واضح لانتهائها، مع عدم الموافقة على تنسيقات رسمية لإدخال الأجهزة وقطع الغيار، الأمر الذي يحدّ من قدرة التجار على توفير احتياجات السوق.

ولا تقتصر التداعيات على أصحاب المحلات الذين يواجهون صعوبة في تأمين البضائع ومواصلة العمل، بل تمتد إلى المستهلكين الذين باتوا يدفعون أثمانًا باهظة مقابل أجهزة قديمة أو معدات صيانة محدودة التوافر.

ويوضح صلاح أن أصحاب المحلات يضطرون إلى شراء الأجهزة وقطع الغيار بأسعار مرتفعة للحفاظ على استمرار أعمالهم، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار البيع للمواطنين، في ظل استنزاف المخزون المحلي وصعوبة تعويضه.

وبحسب تقديرات متداولة في السوق، ارتفعت أسعار بعض الأجهزة وقطع الصيانة بنسب تتراوح بين 100 و200%، وفق نوع الجهاز واحتياجاته، فيما تشير تقديرات أخرى إلى زيادات أكبر في بعض فئات المعدات التقنية. 

طالبة هندسة بلا حاسوب

بالنسبة إلى سماهر عثمان، لم تتوقف خسارة الحاسوب عند قيمته المادية، بل امتدت إلى تفاصيل دراستها الجامعية ومستقبلها الأكاديمي، بعدما فقدت جهازها خلال الحرب، لتجد نفسها أمام صعوبة استكمال متطلبات الدراسة في كلية الهندسة.

وتوضح سماهر أن طبيعة تخصصها تعتمد على برامج هندسية وتصميمات يصعب إنجازها من دون حاسوب، ما جعل فقدان الجهاز عقبة مباشرة أمام مواصلة دراستها بالشكل المطلوب.

وتقول إنها حاولت شراء جهاز بديل، لكنها اصطدمت بأسعار تفوق قدرتها المالية، حتى إن الأجهزة المستعملة لم تعد خيارًا متاحًا بسهولة، في ظل ارتفاع أثمانها وندرة الأجهزة الجديدة في الأسواق.

وتستعيد الطالبة الفارق بين الأسعار قبل الحرب وبعدها، موضحة أنها كانت تستطيع شراء جهاز جديد بمبلغ يتراوح بين 400 و900 دولار، تبعًا للمواصفات والاستخدامات المطلوبة، أما اليوم، فتجاوز سعر بعض الأجهزة المستعملة المخصصة للاستخدامات المكتبية 1300 دولار، فيما قد يصل سعر الأجهزة ذات المواصفات الأعلى إلى نحو 2000 دولار.

هاتف محمول لا يعوّض الحاسوب

أما الشاب حسن سمير، الذي يعمل في مجال مونتاج الفيديو والأفلام، فقد خسر مصدر رزقه بعدما فقد حاسوبه جراء القصف، وهو الجهاز الذي كان يعتمد عليه في تنفيذ أعماله لصالح عدد من المؤسسات في الخارج.

ويقول حسن إن شراء جهاز جديد بالمواصفات التي يحتاج إليها يكلف نحو أربعة آلاف دولار، وهو مبلغ يصعب عليه توفيره في ظل الظروف الراهنة، مشيرًا إلى أن شراء جهاز بديل لا يعني بالضرورة الحصول على الجودة والأداء اللذين كان يوفرهما جهازه السابق.

وأمام هذا الواقع، اضطر إلى استخدام الهاتف المحمول لإنجاز بعض أعماله، لكنه يؤكد أن العمل عبر الهاتف لا يتيح له أداء مهامه بالكفاءة نفسها، ولا يمكّنه من تنفيذ الأعمال التي كان ينجزها سابقًا بالجودة والقدرات التقنية ذاتها.

وبفقدان الحاسوب، لم يخسر حسن أداة عمل فحسب، بل تراجعت قدرته على المنافسة والوفاء بمتطلبات المؤسسات التي يتعامل معها، في وقت يعتمد فيه العاملون عن بُعد على توفر المعدات والاتصال المستقر بالإنترنت للحفاظ على مصادر دخلهم.

وتكشف تجربته جانبًا من معاناة العاملين المستقلين في غزة، الذين وجدوا أنفسهم أمام معادلة قاسية: إما دفع آلاف الدولارات لاستعادة أدوات عملهم، أو الاكتفاء بإمكانات محدودة قد تقلص فرصهم في الحصول على مشاريع جديدة.

شلل يضرب الاقتصاد الرقمي

تتجاوز أزمة الحواسيب حدود التعليم والعمل الفردي، لتطال قطاع تكنولوجيا المعلومات الذي شكّل قبل الحرب أحد مصادر الدخل وفرص العمل للخريجين في غزة، بفضل ارتباط شركاته ومهنييه بأسواق ومؤسسات خارج القطاع.

ووفق تقديرات أوردها المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر، كان نحو 80% من نشاط قطاع تكنولوجيا المعلومات موجّهًا إلى الأسواق الخارجية، بما أتاح له توفير فرص عمل ومصادر دخل بالعملات الأجنبية، رغم الحصار والقيود المفروضة على الاقتصاد المحلي.

لكن الحرب وما رافقها من تدمير للبنية التحتية الرقمية وصعوبة توفير المعدات أدّيا إلى تراجع قدرة القطاع على العمل.
 وتشير التقديرات ذاتها إلى أن نشاطه بات يقل عن 25% من مستواه السابق، فيما توقفت أكثر من 70% من شركات تكنولوجيا المعلومات كليًا أو جزئيًا.

كما يبين أبو قمر  تأثر نحو 30 ألف مختص في مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي بصورة مباشرة، وسط خسائر طالت الشركات ومقار العمل والمعدات، فضلًا عن انقطاع الخدمات الأساسية التي تحتاج إليها المؤسسات والأفراد لممارسة أعمالهم.

ولا يمكن فصل هذه الخسائر عن الأزمة الاقتصادية الأوسع التي يعيشها القطاع، مع اتساع البطالة والفقر وتراجع فرص العمل، ما يجعل استعادة النشاط الرقمي مرتبطة بقدرة المؤسسات والأفراد على توفير الأجهزة والمعدات اللازمة، إلى جانب إصلاح البنية التحتية واستعادة خدمات الاتصال والطاقة.

وتظهر آثار الأزمة بوضوح في التعليم الجامعي، ولا سيما التخصصات الهندسية والتكنولوجية التي تتطلب استخدام برامج متخصصة، وفي التعليم الإلكتروني الذي يحتاج إلى أجهزة مناسبة، فضلًا عن العاملين في التصميم والمونتاج والبرمجة والخدمات الرقمية المقدمة لجهات خارجية.

وفي ظل هذه الظروف، لا تعود خسارة الحاسوب مشكلة فردية تخص طالبًا أو عاملًا، بل تصبح جزءًا من أزمة أوسع تهدد فرص التعلم والإنتاج واستعادة مصادر الدخل، وتضعف قدرة الخريجين والمهنيين على المنافسة في سوق العمل.

بث مباشر