تتجاوز تداعيات العملية العسكرية الإسرائيلية في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية المحتلة ملاحقة منفذي هجوم فرش الهوا، لتفتح الباب أمام مخاوف من استغلال الهجوم لتوسيع العمليات العسكرية وفرض قيود جديدة على الفلسطينيين، بما يشمل إخلاء المنازل وهدم المباني وتشديد إجراءات الحركة، في سياق أوسع يعيد تشكيل الجغرافيا الفلسطينية.
وجاء التصعيد عقب اشتباك عند حاجز فرش الهوا استمر نحو 20 دقيقة، وأسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، قبل استشهاد منفذي الهجوم الفلسطينيين. وأعلن جيش الاحتلال بدء عملية عسكرية قد تستمر عدة أيام، بالتزامن مع إخلاء عائلات فلسطينية وهدم مبانٍ، فيما لوّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإغلاق الضفة الغربية بالكامل.
وتزامنت الإجراءات في الخليل مع اقتحامات واعتقالات في محافظات جنين وطولكرم ونابلس، شملت بلدات عرابة وقفين وبورين وجالود وقريوت، وفق ما أورده مراسل الجزيرة عبد القادر عراضة، الذي أشار إلى إصدار قوات الاحتلال إنذارات بإخلاء مناطق في الخليل، بينها الجلدة ودير بحة، ومطالبة مئات العائلات بمغادرة منازلها.
كما جاءت التطورات بالتزامن مع إعلان الجيش الإسرائيلي مناورات في المنطقتين الوسطى والشمالية، قبيل الأعياد الإسرائيلية المقررة الثلاثاء المقبل، وسط تساؤلات بشأن نطاق العملية العسكرية وأهدافها الفعلية.
من الخليل إلى تقطيع الضفة
ويرى الخبير العسكري والإستراتيجي العميد إلياس حنا أن ما يجري في الخليل يأتي امتدادًا لعمليات عسكرية إسرائيلية سابقة في جنين وطولكرم ونابلس، رافقتها عمليات تهجير وتغييرات في الواقعين الجغرافي والديمغرافي، معتبرًا أن المشهد يتجاوز حملة أمنية محدودة إلى تحولات أوسع في طريقة التعامل مع الضفة الغربية.
ويربط حنا هذه التطورات بمشاريع استيطانية تهدف إلى إعادة توزيع السيطرة على الأرض الفلسطينية، وفي مقدمتها مشروع «إي1» الاستيطاني شرق القدس، الذي من شأن تنفيذه فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، وفق تحذيرات أوروبية سابقة.
وتثير هذه المشاريع مخاوف من تقويض التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية، وإضعاف فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا، في ظل توسع المستوطنات والطرق المخصصة لخدمة المستوطنين وتشديد القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين.
وتكتسب الخليل أهمية خاصة في هذا السياق، باعتبارها مركزًا سكانيًا واقتصاديًا رئيسيًا في جنوب الضفة الغربية، فضلًا عن تقسيمها بموجب ترتيبات عام 1997 إلى منطقتي «إتش1» و«إتش2»، بما يفرض واقعًا أمنيًا وإداريًا معقدًا على سكان المدينة.
ويشير حنا إلى أن شبكة الطرق، ولا سيما الطريقين 60 و35، تمثل عنصرًا مؤثرًا في حركة الفلسطينيين والربط بين مناطق الضفة، إذ يمكن للتحكم بالممرات الرئيسية أن يزيد من عزل المدن والبلدات الفلسطينية، ويحد من التواصل بينها.
مشاريع استيطانية متعاقبة
ويعيد حنا جذور هذا المسار إلى مشاريع استيطانية إسرائيلية متعاقبة، من بينها مشروع إيغال ألون الذي ركز على السيطرة على مناطق واسعة من أطراف الضفة، ومشاريع لاحقة ارتبطت بأرييل شارون، وصولًا إلى مخططات إقامة تجمعات استيطانية مترابطة وتوسيع شبكة الطرق والجدار الفاصل.
ويضع الخبير التحركات الحالية في إطار توجه نحو توسيع السيطرة الإسرائيلية الأمنية والاقتصادية على الضفة الغربية، مشيرًا إلى أن الإجراءات العسكرية قد تتجاوز أهدافها المعلنة لتترك آثارًا طويلة الأمد على حياة الفلسطينيين وواقعهم الجغرافي.
وفي هذا الإطار، يثير حجم العملية العسكرية في الخليل تساؤلات بشأن مدى التناسب بين الهجوم الذي وقع عند حاجز فرش الهوا والإجراءات المتخذة في أعقابه، خصوصًا مع اتساع نطاق الإخلاء والهدم والاقتحامات وتشديد القيود على الحركة.
ويحذر حنا من أن توسيع العمليات العسكرية قد يؤدي إلى إلحاق أضرار إضافية بالاقتصاد الفلسطيني، ولا سيما إذا شملت الإجراءات تعطيل حركة المواطنين والبضائع أو عزل المدينة عن محيطها، فضلًا عن تداعياتها على الحياة اليومية للسكان.
مخاوف من واقع جغرافي جديد
وتتزايد المخاوف الفلسطينية من أن تتحول العملية العسكرية في الخليل إلى فرصة لفرض ترتيبات ميدانية جديدة، في ظل تداخل الإجراءات الأمنية مع التوسع الاستيطاني والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين.
وتكمن خطورة هذه التطورات في احتمال تراكم آثارها على المدى الطويل، بحيث لا تقتصر نتائجها على الخسائر المباشرة الناجمة عن العمليات العسكرية، بل تمتد إلى تغيير أنماط السكن والحركة والنشاط الاقتصادي، وتعميق الفصل بين التجمعات الفلسطينية.
وبينما تقدم إسرائيل عمليتها باعتبارها إجراءً أمنيًا عقب هجوم فرش الهوا، يرى حنا أن قراءة ما يجري تتطلب وضعه ضمن سياق أوسع من السياسات العسكرية والاستيطانية المتعاقبة في الضفة الغربية.
وبذلك، تبقى التساؤلات مفتوحة بشأن حدود العملية الحالية، وما إذا كانت ستنتهي بانتهاء الملاحقة العسكرية لمنفذي الهجوم، أم ستترك وراءها قيودًا وترتيبات جديدة تعيد تشكيل الواقع الفلسطيني في الخليل ومحيطها.