في الثامن عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2011، شهدت القضية الفلسطينية واحدة من أبرز محطات تبادل الأسرى مع الاحتلال الإسرائيلي، مع تنفيذ المرحلة الأولى من صفقة «وفاء الأحرار»، التي أفضت إلى الإفراج عن 477 أسيرًا وأسيرة فلسطينيين، مقابل تسليم الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الذي أسرته المقاومة الفلسطينية في عملية عسكرية مباغتة جنوب قطاع غزة قبل أكثر من خمس سنوات.
وبعد خمسة عشر عامًا على تنفيذ تلك المرحلة، تعود الصفقة إلى الواجهة بوصفها محطة مفصلية في ملف الأسرى الفلسطينيين، ليس فقط بسبب العدد الإجمالي للمحررين، الذي بلغ 1027 أسيرًا وأسيرة على مرحلتين، وإنما أيضًا لطبيعة الأسماء التي شملتها، وبينها أسرى محكومون بالمؤبد وأصحاب أحكام عالية أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان.
وتستحضر ذكرى «وفاء الأحرار» مسارًا امتد من عملية عسكرية نفذتها فصائل المقاومة في حزيران/يونيو 2006، مرورًا بسنوات من الاحتفاظ بشاليط بعيدًا عن محاولات الاحتلال الوصول إليه، وصولًا إلى مفاوضات غير مباشرة انتهت باتفاق تبادل، لعبت مصر دورًا رئيسيًا في التوصل إليه وتنفيذه.
«الوهم المتبدد».. بداية المسار
بدأت فصول القضية فجر الخامس والعشرين من حزيران/يونيو 2006، عندما نفذت المقاومة الفلسطينية عملية عسكرية مباغتة استهدفت موقعًا عسكريًا إسرائيليًا في منطقة كرم أبو سالم، شرق محافظة رفح جنوب قطاع غزة، وأطلقت عليها اسم «الوهم المتبدد».
وشارك في العملية مقاتلون من كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، إلى جانب مقاومين من ألوية الناصر صلاح الدين وجيش الإسلام، وفق الروايات المعلنة بشأن العملية.
وتسلل المقاومون إلى الموقع العسكري عبر نفق أرضي، قبل مهاجمة قوة إسرائيلية مدرعة واستهداف دبابة من طراز «ميركافا»، وتمكنوا خلال العملية من أسر الجندي جلعاد شاليط من داخل الدبابة التي كان يوجد فيها، ونقله إلى داخل قطاع غزة.
وشكل أسر شاليط تطورًا بارزًا في المواجهة، إذ انتقل الملف من ساحة الاشتباك إلى مسار أمني وسياسي معقد، بعدما وجدت الحكومة الإسرائيلية نفسها أمام جندي أسير داخل القطاع، في وقت تعهدت فيه بالعمل على استعادته.
ولم يقتصر تأثير العملية على لحظة الأسر، بل امتد إلى السنوات التالية، إذ تحولت قضية شاليط إلى أحد الملفات الأكثر حساسية لدى الاحتلال، وسط ضغوط داخلية متزايدة من عائلته وقطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي للمضي نحو استعادته.
في المقابل، تمسكت المقاومة بالإفراج عن أسرى فلسطينيين مقابل إطلاق سراحه، واضعةً أصحاب الأحكام العالية والمؤبدات ضمن أولوياتها، وهو ما جعل المفاوضات اللاحقة تدور حول قوائم الأسرى وأسمائهم وشروط الإفراج عنهم.
خمس سنوات من البحث والملاحقة
على مدار أكثر من خمس سنوات، بقي مكان احتجاز شاليط سرًا، بينما واصلت أجهزة الاحتلال الأمنية والاستخبارية محاولاتها الوصول إليه، مستفيدة من إمكاناتها العسكرية والتكنولوجية وشبكات جمع المعلومات داخل القطاع.
وشهدت تلك الفترة تصعيدًا عسكريًا وضغوطًا متواصلة على قطاع غزة، في محاولة لاستعادة الجندي وإنهاء القضية، إلا أن تلك التحركات لم تفضِ إلى استعادته بالقوة.
كما لم تؤدِّ الحرب الإسرائيلية على القطاع أواخر عام 2008 ومطلع عام 2009 إلى إنهاء ملف شاليط، وظلت المقاومة متمسكة بشروطها، رافضةً الإفراج عنه من دون التوصل إلى اتفاق يضمن تحرير عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين.
وفي هذا السياق، برزت أهمية الحفاظ على سرية مكان احتجاز الجندي، إلى جانب إدارة الملف على المستويين الأمني والتفاوضي. فقد مثّل الاحتفاظ به طوال تلك المدة عاملًا أساسيًا في استمرار المفاوضات، ومنع الاحتلال من إنهاء القضية وفق الشروط التي أرادها.
وكشفت كتائب القسام لاحقًا عن «وحدة الظل»، المعنية بتأمين الأسرى الإسرائيليين وإخفائهم وحمايتهم، وذلك في مادة مصورة نشرتها في كانون الثاني/يناير 2016، تناولت جوانب من ملف شاليط.
وأعاد الكشف تسليط الضوء على جانب من الإجراءات الأمنية التي أحاطت بالقضية، وعلى الدور الذي أدته السرية في الحفاظ على الأسير طوال سنوات احتجازه، في ظل محاولات الاحتلال المستمرة للوصول إليه.
وبذلك، لم يعد نجاح عملية «الوهم المتبدد» مقتصرًا على أسر الجندي خلال الهجوم، بل ارتبط أيضًا بالقدرة على الاحتفاظ به، وإدارة ملفه على مدى سنوات، وتحويله إلى محور مفاوضات أفضت إلى الإفراج عن أكثر من ألف أسير فلسطيني.
مفاوضات شاقة واتفاق على مرحلتين
لم تكن المفاوضات التي سبقت الصفقة أقل تعقيدًا من المرحلة العسكرية والأمنية، إذ استمرت الاتصالات غير المباشرة سنوات، وتخللتها خلافات بشأن قوائم الأسرى المطلوب الإفراج عنهم، وطبيعة الأحكام الصادرة بحقهم، والأسماء التي شملها الاتفاق.
واضطلعت مصر بدور رئيسي في الوساطة بين الطرفين، عبر اتصالات وجولات تفاوضية هدفت إلى التوصل إلى صيغة نهائية تنهي ملف شاليط، وتضمن الإفراج عن الأسرى الذين طالبت المقاومة بتحريرهم.
وفي عام 2009، أفضت إحدى جولات التفاوض إلى الإفراج عن 20 أسيرة فلسطينية، مقابل تسليم شريط مصور يظهر فيه شاليط، في خطوة عكست استمرار المساعي للوصول إلى اتفاق شامل.
وبعد سنوات من المفاوضات، أعلن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس آنذاك خالد مشعل، في الحادي عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2011، التوصل إلى اتفاق لتبادل الأسرى، يقضي بالإفراج عن 1027 أسيرًا وأسيرة فلسطينيين على مرحلتين، مقابل إطلاق سراح شاليط.
وشكّل الاتفاق نهاية لمسار طويل من المفاوضات، بعدما تضمنت قوائم المحررين أسرى محكومين بالمؤبد وأصحاب أحكام مرتفعة، إلى جانب أسرى من خلفيات سياسية وفصائلية وجغرافية متعددة.
وكانت طبيعة الأسماء التي شملتها الصفقة إحدى أبرز نقاطها، إذ لم تقتصر على الأسرى الذين اقتربت فترات محكومياتهم من الانتهاء، بل ضمت معتقلين أمضوا سنوات طويلة في السجون، وآخرين صدرت بحقهم أحكام جعلت فرص الإفراج عنهم عبر المسارات التقليدية محدودة.
18 أكتوبر.. تنفيذ المرحلة الأولى
في صباح الثامن عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2011، بدأت الإجراءات التنفيذية للمرحلة الأولى من صفقة «وفاء الأحرار»، بالتزامن مع ترتيبات تسليم شاليط إلى الجانب المصري، تمهيدًا لنقله إلى الاحتلال.
وشملت هذه المرحلة الإفراج عن 477 أسيرًا وأسيرة فلسطينيين، بينهم 450 أسيرًا و27 أسيرة، مقابل تسليم الجندي الإسرائيلي إلى الوسيط المصري.
وضمت القائمة عددًا من الأسرى المحكومين بالمؤبدات والأحكام العالية، ووفق الأرقام الواردة في المواد المنشورة عن الصفقة، بلغ عدد المحكومين بالمؤبد ضمن المرحلة الأولى 315 أسيرًا، إلى جانب أسيرات فلسطينيات، بينهن محكومات بالمؤبد.
وشملت الصفقة أسرى من قطاع غزة والضفة الغربية والقدس والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، إضافة إلى أسرى من الجولان السوري المحتل، بما عكس اتساع ملف الأسرى وتعدد المناطق التي ينتمي إليها المعتقلون.
كما ضمت القائمة أسرى من فصائل فلسطينية مختلفة، من بينها حماس وفتح والجهاد الإسلامي والجبهتان الشعبية والديمقراطية، في تأكيد على أن الصفقة لم تقتصر على الانتماء الفصائلي، بل امتدت لتشمل أسماء ارتبطت بقضية الأسرى على المستوى الوطني.
وكان الإفراج عن الأسيرات من أبرز جوانب المرحلة الأولى، إذ أعادت الصفقة عددًا منهن إلى عائلاتهن بعد سنوات من الاعتقال، ومن بين الأسماء المعروفة التي شملها الاتفاق الأسيرة أحلام التميمي، المحكومة بـ16 مؤبدًا.
وفي المقابل، جرت عملية تسليم شاليط ضمن ترتيبات أمنية، ظهر خلالها القيادي في كتائب القسام أحمد الجعبري، الذي قاد وفد المقاومة في المفاوضات، قبل انتقال الجندي إلى الجانب المصري.
وترافقت هذه الخطوة مع وصول حافلات الأسرى المحررين إلى وجهاتها، وسط مشاهد استقبال واحتفاء في قطاع غزة ومناطق فلسطينية أخرى، حيث اجتمعت عائلات انتظرت سنوات طويلة عودة أبنائها معًا في لحظة حملت أبعادًا إنسانية ووطنية واسعة.
550 أسيرًا في المرحلة الثانية
لم تنتهِ الصفقة عند الدفعة الأولى، إذ استُكمل تنفيذ الاتفاق في الثامن عشر من كانون الأول/ديسمبر 2011، بالإفراج عن 550 أسيرًا فلسطينيًا إضافيًا.
وبذلك، اكتمل العدد المتفق عليه، وهو 1027 أسيرًا وأسيرة، مقابل إطلاق سراح شاليط، لتصبح «وفاء الأحرار» إحدى أبرز صفقات تبادل الأسرى في تاريخ المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية.
وأعادت الصفقة إلى الواجهة قضايا الأسرى أصحاب المحكوميات الطويلة، الذين بقيت ملفاتهم لسنوات محور مطالبات فلسطينية متواصلة، في ظل صعوبة الإفراج عنهم عبر المسارات القانونية والسياسية المعتادة.
كما حملت عودة المحررين آثارًا اجتماعية وإنسانية امتدت إلى عائلاتهم ومجتمعاتهم، بعدما انتهت سنوات من الانتظار والزيارات المحدودة والقلق على مصير الأبناء، بلقاءات جمعت أسرى بعائلاتهم بعد غياب طويل.
ولم تقتصر أهمية الصفقة على عدد المفرج عنهم، بل شملت أيضًا طبيعة الاتفاق نفسه، الذي ربط الإفراج عن جندي إسرائيلي واحد بتحرير أكثر من ألف أسير فلسطيني، بينهم أصحاب أحكام عالية ومؤبدات.
أحمد الجعبري.. حاضر في ذاكرة الصفقة
ارتبطت «وفاء الأحرار» باسم القيادي الشهيد أحمد الجعبري، أحد أبرز قادة كتائب القسام، الذي تولى قيادة وفد المقاومة في المفاوضات المتعلقة بالصفقة، وظهر خلال مراسم تسليم شاليط في الثامن عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2011.
وشكّلت المفاوضات مرحلة موازية للعملية العسكرية، إذ تطلب الوصول إلى الاتفاق التمسك بقوائم الأسرى وشروط الإفراج عنهم، في ظل خلافات بشأن عدد من الأسماء وطبيعة المحكوميات.
وبعد إنجاز الصفقة، بقيت صور تنفيذها ومشاهد استقبال المحررين حاضرة في الذاكرة الفلسطينية، باعتبارها لحظة انتهت فيها سنوات من الاحتجاز والمفاوضات بالإفراج عن مئات الأسرى في المرحلة الأولى، ثم استكمال العدد المتفق عليه في نهاية العام نفسه.
وتستعيد الذكرى كذلك دور الوسطاء، وفي مقدمتهم مصر، في نقل المطالب بين الطرفين والتوصل إلى الترتيبات التي سمحت بتنفيذ الاتفاق على مرحلتين.
صفقة تجاوزت العدد إلى دلالات وطنية
مثّلت «وفاء الأحرار» محطة مهمة في ملف الأسرى، بالنظر إلى اتساع قائمة المحررين وتنوع انتماءاتهم ومناطقهم، وما أتاحته من عودة أسرى كانت أحكامهم العالية تجعل الإفراج عنهم مسارًا بالغ التعقيد.
فقد جمعت الصفقة أسرى من مناطق فلسطينية متعددة، وأعادت تسليط الضوء على قضية المعتقلين باعتبارها قضية وطنية تتجاوز الانقسامات السياسية والفصائلية، وترتبط بآلاف العائلات التي تنتظر عودة أبنائها.
كما أظهرت أن ملف الأسرى يمكن أن يتحول إلى محور تفاوضي طويل، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والعسكرية والسياسية، وأن نجاح الاتفاق يتطلب إدارة متواصلة للمفاوضات والتمسك بالتفاصيل المتعلقة بالأسماء والشروط وآليات التنفيذ.
وبعد خمسة عشر عامًا على تنفيذ مرحلتها الأولى، لا تزال «وفاء الأحرار» حاضرة في الذاكرة الفلسطينية بوصفها تجربة جمعت بين عملية الأسر، والحفاظ على سرية مكان الاحتجاز، والمفاوضات غير المباشرة، وصولًا إلى اتفاق أعاد الحرية إلى 1027 أسيرًا وأسيرة.