شهد المسجد الأقصى المبارك، الأحد والإثنين، تصعيدًا في اقتحامات المستوطنين وطقوسهم التوراتية، بالتزامن مع "عيد الغفران" العبري، وسط إجراءات أمنية مشددة فرضتها سلطات الاحتلال في مدينة القدس والبلدة القديمة.
وتوزعت اعتداءات "عيد الغفران" على يومي 20 و21 سبتمبر/أيلول 2026، إذ تلجأ جماعات "الهيكل" عادة إلى ما تسميه "الاقتحام التعويضي" في اليوم السابق للمناسبة، التي توافق الإثنين، نظرًا لامتناع كثير من اليهود خلالها عن الطعام والشراب والعمل والتنقل.
طقوس توراتية ورقص في الأقصى
وخلال الاقتحام التعويضي، الأحد، أدى المستوطنون طقوسًا توراتية في الساحة الشرقية للمسجد الأقصى، التي تشهد منذ سنوات حضورًا متزايدًا لهذه الطقوس خلال الاقتحامات.
وشملت الطقوس حلقات جماعية من الرقص والتصفيق، إضافة إلى أداء ما يعرف بـ"السجود الملحمي"، فرديًا وجماعيًا، فيما امتدت الطقوس إلى مناطق أخرى من المسجد، بينها الساحة الغربية المقابلة لقبة الصخرة.
كما ظهر عدد من المقتحمين وهم يرتدون شالات الصلاة "الطاليت"، ولفائف الصلاة السوداء "التيفلين"، إلى جانب توزيع ملازم ورقية تتضمن صلوات وطقوسًا مخصصة للاقتحامات.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، سمحت شرطة الاحتلال بتوزيع هذه الملازم عند أبواب المسجد، في ممارسة بدأت مطلع عام 2026، ضمن مسار متصاعد لإدخال الأدوات والرموز التوراتية إلى الأقصى.
وسبق ذلك نفخ البوق داخل المسجد الأقصى 30 مرة في 13 سبتمبر/أيلول الجاري، بالتزامن مع "رأس السنة العبرية".
نتنياهو وبن غفير في المشهد
وعشية الاقتحام التعويضي، شارك رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وزوجته في صلوات التوبة المسائية "سليحوت" عند حائط البراق، من خلف حاجز زجاجي مضاد للرصاص أُقيم له على سطح مبنى "بيت شتراوس".
وبحسب التقرير، انتقل نتنياهو من الموقع إلى أنفاق ما يسمى "الحائط الغربي" أسفل سور المسجد الأقصى، في ظهور ارتبط بالمناسبة وبنشاطه السياسي والانتخابي.
وفي اليوم التالي، اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير المسجد الأقصى عند نهاية فترة الاقتحامات، قرابة الساعة الثالثة مساءً، ما أدى إلى تمديد فترة الاقتحامات عمليًا.
وقاد بن غفير مجموعة من المستوطنين في "صلاة توبة" داخل المسجد، في وقت أشير فيه إلى أن هذا الاقتحام هو العشرين له منذ توليه منصب وزير الأمن القومي مطلع عام 2023.
إجراءات مشددة وتعتيم على الأحداث
وتزامن "عيد الغفران"، الإثنين، مع إغلاق عدد من أحياء القدس وتقطيع الطرق بينها، ومنع غير سكان البلدة القديمة من الوصول إليها، إلى جانب تشديد إجراءات دخول المصلين إلى المسجد الأقصى خلال اليومين.
كما شهد يوم المناسبة حالة من التعتيم على تفاصيل ما يجري داخل الأقصى، في ظل امتناع المستوطنين عن استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي خلال صيام "يوم كيبور".
ويشير التقرير إلى أن ذلك صعّب توثيق الأحداث ونقل صور مباشرة من داخل المسجد، في وقت يظل فيه توثيق ما يجري في الأقصى محدودًا، مقابل قدرة جماعات المستوطنين على التحكم في جانب كبير من الصورة الإعلامية المرتبطة بالاقتحامات.
اقتحامات بأعداد هي الأكبر
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، سجلت اقتحامات "عيد الغفران" هذا العام أعلى أعداد لها منذ بدء الاحتلال الإسرائيلي للمسجد الأقصى.
وشارك في الاقتحام التعويضي، الأحد، 992 مستوطنًا، فيما بلغ عدد المقتحمين في الاقتحام الفعلي يوم "عيد الغفران" 686 مستوطنًا.
وتظهر المقارنة مع الأعوام السابقة تصاعدًا واضحًا في الأعداد؛ ففي عام 2021 شارك 369 مستوطنًا في الاقتحام التعويضي و290 في الاقتحام الفعلي، بينما ارتفع العدد عام 2022 إلى 558 في الاقتحام التعويضي و461 في الاقتحام الفعلي.
وفي عام 2023، بلغ العدد 673 مستوطنًا في الاقتحام التعويضي و486 في الاقتحام الفعلي، فيما شهد عام 2024 اقتحامًا تعويضيًا شارك فيه 334 مستوطنًا، دون اقتحام فعلي لتزامن "يوم الغفران" مع يوم السبت.
أما عام 2025، فشارك 547 مستوطنًا في الاقتحام التعويضي و468 في الاقتحام الفعلي.
وبذلك، يمثل عدد المشاركين هذا العام ارتفاعًا كبيرًا مقارنة بالسجل السابق، سواء في الاقتحام الذي يسبق المناسبة أو في الاقتحام الذي يتزامن معها.
مواجهات في الضفة والقدس
وتزامن التصعيد في الأقصى مع توتر أمني في مناطق مختلفة من الضفة الغربية والقدس.
ففي الأحد 20 سبتمبر/أيلول، وقعت عملية في "وادي ريا" غرب رام الله أدت إلى مقتل مستوطن، فيما أعلنت قوات الاحتلال عن محاولتي دهس استهدفتا جنودًا لها في جنين وسلواد.
وشهدت القدس، عشية الإثنين، مواجهات في عدد من الأحياء، أبرزها صور باهر، بالتزامن مع الإجراءات العسكرية المشددة التي رافقت المناسبة.
كما جاء ذلك في ظل استمرار العملية العسكرية الإسرائيلية في بلدة بدو وقرى شمال غرب القدس، التي قالت مصادر فلسطينية إنها تتعرض لإجراءات انتقامية عقب العملية.
البوق مجددًا؟
وشهدت السنوات السابقة تزامن "عيد الغفران" مع نفخ البوق بعد غروب الشمس في كنيس أُقيم في أحد طوابق المدرسة التنكزية المستولى عليها في الرواق الغربي للمسجد الأقصى.
ومع غروب شمس الإثنين، بقي احتمال تكرار هذه الممارسة قائمًا، في ظل ما شهدته المناسبة هذا العام من تصعيد في الاقتحامات والطقوس ومحاولات تكريس حضور ديني يهودي داخل المسجد الأقصى.
ويأتي هذا التصعيد ضمن مسار متواصل من الاقتحامات والطقوس التي تشهدها ساحات الأقصى، مع تسجيل أعداد متزايدة من المستوطنين المشاركين فيها، إلى جانب إدخال أدوات ومظاهر دينية يهودية إلى المسجد خلال المناسبات العبرية.