في غزة، حيث بات الفقد جزءا من يوميات الناس، لا تنتهي الحكاية عند لحظة استشهاد أحد الأحبة، بل تبدأ معها حكاية أخرى من المواساة، حين يلتف الناس حول صاحب المصاب، ويبحثون في كلماتهم عن شيء يخفف وطأة الوجع، ويمنح القلب قدرة على الصبر.
ولكلمات المواساة في لحظات الفقد وقع خاص على النفس، فهي وإن كانت لا تستطيع أن تعيد غائبا أو تمحو حزنا، إلا أنها تمنح صاحب المصاب شعورا بأنه ليس وحيدا في مواجهة ألمه، وأن من حوله يحملون معه شيئا من هذا الوجع.
وهذه عادة متجذرة لدى أهل فلسطين، الذين اعتادوا الوقوف إلى جانب بعضهم في المصائب، ومساندة أهل الفقيد بكلمات الصبر والاحتساب، مستمدين من إيمانهم ما يقويهم على احتمال الفقد، مهما كان ثقيلا وقاسيا.
وفي مشهد يجسد هذه الروح، وثّق مقطع فيديو لحظة مواساة أحد الفلسطينيين للدكتور منير البرش، المدير العام لوزارة الصحة في قطاع غزة، عقب استشهاد نجله بصير، وسط حضور عدد من الأهالي الذين التفوا حوله في لحظة اختلط فيها الحزن بالصبر، والدموع بالثبات.
ويظهر في المقطع الشيخ نعيم النجار وهو يخاطب الدكتور البرش بكلمات تحمل معاني الإيمان والاحتساب، محاولا التخفيف عنه في مصابه، فيما بدا الحاضرون من حوله شركاء في لحظة الألم، كما لو أن الوجع الذي أصاب عائلة البرش امتد إلى كل من وقف إلى جوارها.
واستشهد بصير منير البرش، السبت، إثر غارة إسرائيلية استهدفت مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، وفق مصادر طبية ومحلية.
وأفادت المصادر بأن طائرة مسيّرة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي نفذت الغارة، التي أسفرت عن استشهاد نجل البرش وإصابة آخرين، فيما قال شهود عيان إن الاستهداف وقع قرب مقر الدفاع المدني غربي مخيم جباليا.
درس في العقيدة تلخصها لنا #غزة العزة ورجالها الأطهار ..
— أدهم أبو سلمية (@AdhamSelmiya) September 21, 2026
إذا أردت أن ترى الإيمان على هيئة رجل، فجعل عينك صوب غزة وأهلها ومجاهديها.. pic.twitter.com/rwiyuNszHx
حين يصبح الكلام سندا
لم يكن المشهد مجرد لحظة عزاء عابرة، إذ حملت كلمات الرجل الذي ظهر في الفيديو معاني اعتاد الفلسطينيون تداولها في أشد لحظات المحن، حين يحاولون تذكير صاحب المصاب بالصبر والثبات، وبأن الإيمان يمنح الإنسان قدرة على الوقوف من جديد رغم انكسار القلب.
وانتشر المقطع على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتداوله نشطاء فلسطينيون، معبرين عن تأثرهم بالمشهد والكلمات التي قيلت للدكتور البرش عقب فقد نجله.
وكتب الناشط وائل أبو محسن معلقا على المشهد: "بهذه الكلمات وهذه الروح يواسي الناس بعضهم في غزة بفقدان فلذات أكبادهم، صبرك الله دكتور منير البرش".
وعبر منصة إكس كتبت الصحفية هدى نعيم: "يا غزة برجالها وشبابها ونسائها وأطفالها، هكذا يواسي الناس بعضهم في غزة".
أما الناشط محمد كمال، فرأى في المشهد إجابة عن سؤال يتكرر بشأن قدرة الفلسطينيين في غزة على تحمل ما يواجهونه، وكتب: "إلى كل من يسأل كيف تتحملون كل هذا العذاب في غزة، هكذا نواسي بعضنا البعض عند وقوع المصيبة".
وكتب الناشط أدهم أبو سلمية: "درس في العقيدة تلخصه لنا غزة"، مضيفا: "إذا أردت أن ترى الإيمان على هيئة رجل، فاجعل عينك صوب غزة وأهلها ومجاهديها".
وتوالت التعليقات التي أشادت بكلمات الرجل الذي ظهر في الفيديو، فيما عبر آخرون عن تعاطفهم مع الدكتور البرش، متمنين له الصبر والثبات في مصابه.
غزة.. وجع يتقاسمه الجميع
وفي غزة، لا يبدو الحزن شأنا فرديا حين يحل الموت في بيت، إذ سرعان ما يجد أهل الفقيد من يطرق أبوابهم، أو يجلس إلى جوارهم، أو يحتضنهم، أو يقول لهم كلمات قد تبدو بسيطة، لكنها في لحظة الانكسار قد تكون بالغة الأثر.
فالفلسطينيون، الذين عاشوا طويلا على وقع الحروب والتهجير والفقد، طوروا شكلا خاصا من التضامن في مواجهة المصائب؛ يقفون إلى جانب بعضهم، ويتقاسمون الحزن، ويمنحون أهل الفقيد ما يستطيعون من مواساة ودعم.
ورغم أن تكرار الفقد لا يجعل وجعه أخف، فإن الإيمان والصبر والاحتساب تظل حاضرة في كلماتهم، كوسيلة للتشبث بالقوة حين يعجز القلب عن احتمال المزيد.
ولذلك بدا المشهد الذي جمع الدكتور البرش ومن حوله أكثر من مجرد فيديو لمواساة أب فقد نجله؛ فقد أعاد إلى الواجهة صورة متكررة في غزة، حيث يقف الناس إلى جوار بعضهم في أكثر اللحظات قسوة، ويقولون لصاحب المصاب، بالكلمات والحضور: لست وحدك في هذا الوجع.