مقال: تدوير من الدمار

أحمد أبو قمر



لا يمكن قراءة ما يحدث في غزة اليوم فقط باعتباره أزمة إنسانية أو كارثة عمرانية، إنما هو تحول اقتصادي عميق فرضته الحرب والحصار وانهيار السوق التقليدي.
فمع توقف سلاسل الإمداد وندرة المواد الخام وإغلاق المعابر، بدأ الاقتصاد الغزي يعيد تشكيل نفسه بصورة قسرية، معتمدا على ما يمكن استخراجه من الركام أكثر من اعتماده على الإنتاج أو الاستيراد.

هنا تحديدا يظهر ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الأنقاض"، وهو نموذج اقتصادي ينشأ عادة في البيئات المعزولة والمناطق التي تعاني انهيارا ممتدا في البنية الإنتاجية.
في الظروف الطبيعية، تقوم الأسواق على تدفق السلع ورأس المال والطاقة، لكن في غزة تغيرت المعادلة بالكامل، الأنقاض نفسها تحولت إلى مخزون اقتصادي بديل وأصبحت قيمة الحديد والأخشاب والبلاستيك المستخرج من المباني المدمرة أعلى من قيمتها السابقة كمكونات بناء داخل دورة اقتصادية مستقرة.

فالندرة تعريف مفهوم القيمة، وخلقت سوقا موازية قائمة على إعادة الاستخدام والاستخراج وإطالة عمر الموارد المتاحة.

وبالتالي يمكن فهم ما يجري بأنه انتقال اضطراري من اقتصاد استهلاكي يعتمد على الاستيراد إلى اقتصاد يعتمد على "إعادة تدوير الأصول المدمرة".

وهذا التحول لا يعكس تطورا إنتاجيا بقدر ما يكشف عن حالة انكماش حاد في الاقتصاد الحقيقي، "فحين تصبح مخلفات الحرب بديلا عن المواد الخام فهذا يعني أن السوق فقد قدرته الطبيعية على التجدد وأصبح يعيش على تفكيك ما تبقى من رأس المال المادي".

الأخطر في المشهد أن هذا النمط الاقتصادي يحمل آثارا طويلة المدى، فاستمرار الاعتماد على اقتصاد الضرورة يؤدي إلى تآكل القطاعات الإنتاجية التقليدية وارتفاع كلفة التشغيل وتراجع الاستثمار الحقيقي، خصوصا مع أزمة الطاقة وارتفاع أسعار الكهرباء والمواد الأساسية.
كما أن غياب المعدات والتكنولوجيا الحديثة يجعل عمليات التدوير ذات كفاءة منخفضة وتكلفة مرتفعة مقارنة بالاقتصادات الطبيعية.

ورغم ذلك، تكشف التجربة عن قدرة لافتة على التكيف الاقتصادي، فالمجتمع الغزي تحت ضغط الحرب، أعاد إنتاج نماذج بدائية من الاقتصاد الدائري للحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي وتلبية الاحتياجات الأساسية.

لكن الفارق الجوهري أن الاقتصاد الدائري في الدول المستقرة يستخدم لتعزيز الاستدامة والربحية بينما يستخدم في غزة كآلية للبقاء فقط.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي مستقبلا لن يكون فقط في إزالة الركام الذي يقدّر بـ 68 مليون طن، بل في كيفية تحويل هذا الاقتصاد القسري إلى اقتصاد إنتاجي حقيقي قادر على خلق القيمة، لا مجرد إعادة تدوير الخسارة.