تتبنى دولة الاحتلال الإسرائيلي عقيدة أمننة مفرطة تحولت إلى بنية وظيفية دائمة تستدعي العدو الضروري باستمرار والمستنقع الاستراتيجي الراهن ليس حالة عابرة بل هو تجل عميق لأزمة العقلية الاستيطانية الإحلالية التي تخلط بين الوجود والتمدد.
إن الجبهات المتعددة من غزة إلى طهران تكشف استنزافا شاملا للموارد الجيوسياسية والعسكرية والرمزية وفشل عقيدة الردع التراكمي يحيل كل ساحة عمليات إلى فخ مكاني وزماني لا يوفر نصرا قابلا للاستدامة والهوة بين الخطاب السياسي التعبوي والواقع الميداني لم تعد فجوة بل انزياحا وجوديا نحو الارتطام الكامل.
ومن زاوية أخرى شعار النصر المطلق في غزة تحول إلى طقس لغوي أجوف يخفي عجزا بنيويا عن ترجمة القوة العسكرية إلى مكسب سياسي ووعود سحق حزب الله اصطدمت بجغرافيا المقاومة المتجذرة وحولت الشمال إلى مسرح نزوح ديمغرافي عكسي وإيران تشكل العقدة الإبستمولوجية الكبرى إذ يتخيل صانع القرار الإسرائيلي إمكانية تصفية كيان جيوسياسي بثمانية وثمانين مليون نسمة.
إن التكلفة الجيوقتصادية لهذه الحروب المفتوحة تآكل البنية التحتية للتحالفات الغربية مع دولة الاحتلال وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة زعزعة الاستقرار الإقليمي يضرب الاقتصادات الحليفة ما ينتج استياء بنيويا في الكونغرس الأميركي ورأس المال السياسي لدولة الاحتلال يتآكل مع كل طلعة جوية ما يسرع لحظة العزلة الدولية المكتملة.
إن القيادة الحالية في دولة الاحتلال الإسرائيلي تجسد شخصنة كاريكاتورية لأزمة المشروع الصهيوني ذاته فرئيس وزراء يختزل الكينونة السياسية في مكياج إعلامي ووزراء يحولون العنف إلى رأسمال رمزي انتخابي وهؤلاء ليسوا استثناء بل نتاج عضوي لعقلية استيطانية تخلط بين إرادة القوة وبين الغريزة التدميرية.
هنا يبرز المفهوم الاستراتيجي العكسي حيث يصبح الاستثمار في الخسارة المدروسة مدخلا لإعادة تعريف النصر والتاريخ يعلمنا أن إدمان القوة المباشرة يولّد عمى استراتيجيا يعجل بالسقوط الذاتي وتشبيه مصارعي السومو يصلح مفتاحا لفهم جدلية الانسحاب المؤقت الذي يخلخل توازن الخصم المتكلس فالانسحاب التكتيكي ليس استسلاما بل عقلنة للصراع تسمح بتحويل الضغط إلى انهيار في بنية العدو الهجومية.
الولايات المتحدة انتصرت في أغلب معارك فيتنام المباشرة وخسرت الحرب لعدم قدرتها على إدارة الهزيمة المحدودة ونابليون تجاوز نقطة اللاعودة المكانية حتى موسكو ليفقد جيشه الكبير في فخ الامتداد اللوجستي والنموذج الأقرب هو مناحيم بيغن حين أعاد سيناء لمصر وفق اتفاقية كامب ديفيد وآنذاك ساد خطاب صهيوني تبسيطي يتهم بيغن بالتنازل المهين وهدم المستوطنات وبعد نصف قرن يتضح أن ذلك الانسحاب الكامل مثل الخطوة الاستراتيجية الأكثر عمقا في تأمين الجبهة الجنوبية.
إن ما حدث هو فك ارتباط بين الأسطورة الترابية التوراتية وبين المصلحة القومية الضيقة ما أنتج استقرارا حدوديا والصيغة الحالية تقوم على التمسك بكل شبر كعقيدة هوياتية ما يحول عدم المرونة إلى معول هدم ذاتي والجمود الجيوسياسي الحالي هو الذي ينتج احتمالية الارتطام الكبير وليس التنازل المحسوب.
الانطباع الأجوف الذي يصنعه قادة اليوم يقدس الوسائل الفارغة كبديل عن التفكير الاستراتيجي فوزير مالية يدير اقتصاد حرب دائمة بمنطق استيطاني تكويني ووزير أمن قومي يضخ جرعات عنف رمزي لتفكيك النسيج المدني وهذا التحالف الهجين بين الأصولية الدينية القومية وبين الشعبوية الإعلامية يشل القدرة على إنتاج خيار تراجعي عقلاني.
في مقابل المواجهة الدائمة مع إيران يجب التمييز بين التهديد النووي الفعلي ووهم تغيير النظام فإيران كيان جيوسياسي قائم بأيديولوجيا مركبة ولن يختفي بإرادة القصف الاستباقي والخطاب التبسيطي يخلط بين ضرورة احتواء البرنامج النووي عبر أدوات دبلوماسية وقانونية متعددة الأطراف وبين فانتازيا الاجتثاث.
أي نظام إقليمي مستقبلي سيجبر على التعايش مع فواعل معقدة لا على تصفيتها ومبدأ الاحتواء الشامل الذي مارسسته قوى كبرى مع خصوم وجوديين يصلح نموذجا إجرائيا هنا ففرنسا وألمانيا تجاوزتا حروبا إبادة متبادلة نحو مأسسة الصراع ضمن أطر فوق وطنية والهند وباكستان تديران توازنا نوويا هشا عبر قنوات خلفية وتفاهمات ضمنية.
نشاهد الاستثمار في الخسارة الجيوسياسية مما يعني الاعتراف بأن العدو الحقيقي موجود داخل غرفة القرار المغلقة وكل يوم إضافي من الحرب المفتوحة يغلق مسارات التقارب وفرص المصالحة الإقليمية والخطوة الصغيرة إلى الوراء هي التي تسحب البساط من تحت أقدام المحرضين على استمرار الاستنزاف.
إن الخسارة المدروسة تعيد تعريف القوة كمقدرة على تجميد الصراع وإدارته لا كإرادة تدمير الآخر الفوري والمشروع الصهيوني يصل إلى نقطة الاختبار النهائي فإما مرونة استراتيجية تسمح بالتعايش وإما صلافة تؤدي إلى التآكل الجيوتاريخي والنصر الوحيد الممكن الآن يتمثل في كسر حلقة العنف لا في مضاعفتها وهذا ليس هزيمة بل تجاوز جدلي للعقلية التي تخلط بين البقاء والاحتلال الدائم فالسقوط الحقيقي يبدأ حين يعتقد المهيمن أنه قادر على تحدي قوانين الجغرافيا والتاريخ عبر القوة الغاشمة فقط.