في إحدى زوايا مستشفى الشفاء، كانت مريم عبد الله أبو وردة تستلقي بصمتٍ ثقيل، كأن الحرب مرّت فوق جسدها وتركت فيه ما يكفي من الألم ليحكي وحده. لم يتعرّف إليها أهلها في البداية؛ وجه شاحب، جسد مثقل بالحروق والجراح، ويدٌ وقدَم مبتورتان انتهتا عند الضمادات البيضاء. كانت في الأربعين من عمرها، لكن ملامحها بدت أكبر بكثير، كأنها عاشت أعمار غزة كلها دفعة واحدة.
أيام طويلة ظلّت العائلة تبحث عنها بين قوائم الشهداء والمصابين، دون أن تعرف إن كانت ما تزال على قيد الحياة. وبعد رحلة بحث مرهقة بين المستشفيات ومراكز النزوح، عثروا عليها أخيرًا في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، في حالة حرجة، فاقدة الوعي، تصارع إصاباتها الثقيلة بصمت.
لكن أكثر ما كان يطارد مريم، حتى بعد إفاقتها، لم يكن ألم بتر يدها وقدَمها، بل صورة ابنها ذي الأربعة عشر عامًا، وهو يركض نحوها وسط القصف.
كان لا يزال طفلًا، بعمر المدرسة والدفاتر والأحلام الصغيرة، لكنه في تلك اللحظة تصرّف كرجل يحاول إنقاذ أمّه من الموت.
تروي العائلة أن الفتى هرع إلى والدته بعدما أُصيبت، احتضنها بين الركام والدخان، وحاول سحبها بعيدًا عن المكان، قبل أن يعود القصف بعنف أكبر. وهناك، فوق حضن أمه مباشرة، استشهد الطفل الذي لم يحتمل فكرة أن يتركها وحدها تنزف.
بقيت مريم ساعات طويلة بين الحياة والموت حتى نُقلت إلى المستشفى، فيما كان ابنها قد سبقها إلى الرحيل. وحين استعادت وعيها لاحقًا، لم تسأل عن يدها وقدَمها اللتين فقدتهما، ولا عن العمليات الجراحية التي خضعت لها، بل سألت عنه هو. كانت تظن أنه نجا، وأنه ربما ينتظرها في مكان ما داخل المستشفى.
وحين أخبروها باستشهاده، خيّم الصمت على الغرفة. أغمضت عينيها طويلًا، وكأنها تحاول أن تستعيد آخر لحظة شعرت فيها بثقل جسده الصغير فوق صدرها.
في غزة، لا يخرج الناس كاملين من الحرب.
أمٌّ تعود بيدٍ وقدَم مبتورتين، وطفل في الرابعة عشرة يرحل وهو يحاول إنقاذها، لتبقى هي معلّقة إلى الأبد في تلك اللحظة التي استشهد فيها ابنها على حضنها.