تواصل الأوساط الأمنية والعسكرية في دولة الاحتلال التحريض على مصر، رغم اعتبارها أن السلام معها رصيد استراتيجي لا يُعوّض، ورغم ذلك يسود شعور بالقلق إزاء الانتهاكات المتراكمة للاتفاقية في سيناء والتعبئة المصرية ضد دولة الاحتلال على الساحة الدولية.
وقال القنصل الفخري ونائب عميد الشؤون القنصلية والمراسل السابق لإذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي، ديفيد بن بيست، ذكر أن "اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، الموقعة عام 1979، بعد المبادرة التاريخية لأنور السادات، اعتبرت حجر الزاوية للاستقرار الإقليمي لعقود، وتضمنت بنودا واضحة تحد من وجود القوات العسكرية المصرية في المنطقة، بهدف منع الاحتكاك، وبناء الثقة المتبادلة، ومع ذلك، بات واضحا في السنوات الأخيرة أن الواقع على الأرض يبتعد بشكل متزايد عن بنود الاتفاقيات".
وأضاف في مقال نشرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلة، وترجمته "عربي21" أن "السبب الرئيسي لزيادة مصر لتواجدها العسكري في سيناء يُعزى لمحاربة تنظيم داعش وحلفائه، الذين كانوا ينشطون في المنطقة، ويشكلون تهديدًا حقيقيًا للاستقرار الداخلي للبلاد، ولاشك أن هذا النشاط استلزم ردًا حازمًا، حتى أن إسرائيل نفسها أدركت ضرورة منح مصر قدرًا من المرونة في نشر قواتها، وبالفعل، على مر السنين، مُنحت موافقات ضمنية، وأحيانًا علنية، لزيادة القوات المصرية بما يتجاوز ما يسمح به الاتفاق".
وأشار أن "القصة المقلقة تبدأ من هنا، فما بدأ كتعديل مؤقت لظرف أمني استثنائي، تحول تدريجيًا لسياسة دائمة من "التوسع المصري التدريجي"، وهي عملية زاحفة يُقبل فيها كل انحراف صغير على أنه ضروري، لكنه في النهاية يُحدث تغييرًا جوهريًا في ميزان القوى، حيث لم تكتفِ مصر بزيادة عدد جنودها في سيناء، بل أدخلت أيضًا أسلحة ثقيلة، وبنية تحتية عسكرية متطورة، بل وأنشأت مراكز لوجستية دائمة، وكل هذا يُخالف روح الاتفاق، ونصّه".
وأكد أن "الوجود المصري يقترب أكثر من حدود إسرائيل، هذه عملية هادئة، تكاد تكون غير محسوسة، لكنها ذات أهمية استراتيجية بالغة، فعندما تتواجد قوات كبيرة ومجهزة تجهيزًا جيدًا على مقربة من الحدود، ينشأ وضعٌ قد يؤدي فيه أي تغيير سياسي أو أزمة إقليمية لتصعيد سريع، فمن جانبها، تواصل مصر التأكيد على أن جميع أنشطتها تتم في إطار مكافحة الإرهاب، وأنها لا تنوي الإضرار باتفاق السلام".
وأوضح أنه "لابد من الإقرار بأن الحرب ضد داعش في سيناء كانت معقدة وصعبة، وأن مصر نجحت في نهاية المطاف في الحد بشكل كبير من نشاط التنظيم في المنطقة، لكن هذا النجاح يثير تساؤلاً عما إذا كان التهديد قد تضاءل، فلماذا لا يزال الوجود العسكري المتزايد قائمًا، مع العلم أن قلق إسرائيل لا ينبع من افتراض أن مصر تخطط لحرب فورية، بل على العكس تمامًا، فقد استمر التعاون الأمني بينهما، بل وتعزز في بعض المجالات، بما في ذلك اتفاقيات تزويد مصر بالغاز الإسرائيلي".
ولفت إلى أن "التاريخ يُظهر أن الأوضاع الاستراتيجية قابلة للتغيير السريع، حيث تبقى الاتفاقيات مستقرة طالما وُجدت إرادة سياسية للحفاظ عليها، وعندما تتغير الظروف، قد تتآكل الاتفاقيات، مما يستدعي إعادة النظر، حيث يتزايد القلق في ضوء سلوك مصر على الساحة الدولية، لاسيما داخل الأمم المتحدة، ففي سلسلة من التصويتات والقرارات في السنوات الأخيرة، اختارت دعم مبادرات تنتقد إسرائيل، بل وتُعاديها".
وأشار بن بيست إلى أن "هذا قد يكون أحيانًا تحركًا دبلوماسيًا يهدف للحفاظ على مكانتها في العالم العربي، لكنه من الصعب تجاهل الفجوة بين التعاون الأمني على أرض الواقع والموقف السياسي على الساحة الدولية، وهذه الفجوة تُولّد شعورًا بالقلق، بل وانعدام الثقة، فمن جهة، تُقدّم مصر نفسها كشريك استراتيجي للاستقرار الإقليمي، ومن جهة أخرى، تتصرف في المؤسسات الدولية بطريقة تُقوّض شرعية إسرائيل، وعند إضافة الانتهاكات التدريجية للاتفاق في سيناء إلى ذلك، تتضح صورة معقدة، بل ومقلقة".
وأضاف أن "البعض يزعم أن إسرائيل نفسها وافقت ضمنيًا على التحركات المصرية، باعتباره ليس انتهاكًا أحادي الجانب، وهذا الزعم ليس بلا أساس، لكنه يُغفل جوهر المسألة، فالاتفاق المؤقت على حالة الطوارئ لا ينبغي أن يتحول لتغيير دائم، وإذا كانت الاتفاقية بحاجة لتحديث، فيجب أن يتم ذلك بطريقة مفتوحة ومتفق عليها ومنضبطة، لا من خلال عملية تدريجية تقوض أسسها، ويتطلب الواقع الراهن إعادة نظر، لذلك لا يمكن لإسرائيل أن تتجاهل التغيرات على أرض الواقع، حتى وإن كانت تحدث بهدوء".
ونوه أن "إسرائيل مطالبة بالشفافية، ومراقبة التطورات في سيناء عن كثب، وضمان الحفاظ على الاتفاقية ليس فقط على المستوى الرسمي، بل بروحها الأصلية أيضًا، لأن السلام مع مصر رصيد استراتيجي لا يُعوَّض، لكن لهذا السبب تحديدًا، يجب حمايته من التآكل البطيء والخطير".
ينطلق التحذير الاسرائيلي من مستقبل العلاقة مع مصر من أن تاريخ الشرق الأوسط مليء بأمثلة على اتفاقيات بدت مستقرة، حتى انهارت، والسؤال ليس ما إذا كانت مصر تنوي انتهاك الاتفاقية، بل ما إذا كان الاحتلال مستعدا لوضع يتغير فيه الواقع بوتيرة أسرع مما يتوقع، لأنه بين كل خطوة وأخرى، قد ينشأ وضع جديد تمامًا مغاير لمصالحه.