في اليوم الذي يُفترض أن يُحتفى فيه بحرية الكلمة، تبدو الصحافة الفلسطينية كأنها تقف على حافة المقصلة. ليس لأن الحقيقة غائبة، بل لأن من ينقلها يُلاحق، يُعتقل، يُغيب، أو يُقتل.
هنا، لا تُكتب الأخبار بالحبر فقط، بل تُنقش على أجساد الصحفيين الذين تحوّلوا إلى شهودٍ مستهدفين في واحدة من أكثر المراحل دموية في تاريخ الصحافة.
على مدار نحو ثلاثة أعوام من الإبادة الجماعية المستمرة بحق الشعب الفلسطيني، لم يكن الصحفي مجرد ناقل للحدث، بل أصبح هدفاً مباشراً له. أكثر من 260 صحفياً وصحفية قتلوا، لأنهم حملوا الكاميرا. ولأن الصورة التي التقطوها كانت كاشفة عن سادية المحتل ووحشيته.
ولم تتوقف الجريمة عند القتل. أكثر من 240 صحفياً وصحفية اعتُقلوا، وما يزال أكثر من 40 منهم خلف القضبان، بينهم 20 معتقلاً إدارياً تحت ذريعة "الملف السري"، وأربع صحفيات. خلف هذه الأرقام وجوهٌ وقصص، وأمهات ينتظرن، وأطفال يسألون عن آبائهم. وآخرهم الصحفية إسلام عمارنة، التي اعتُقلت من مخيم الدهيشة، في مشهد يتكرر كل يوم.
وفي غزة، حيث تتكثف المأساة، لا يزال ما لا يقل عن 14 صحفياً رهن الاعتقال، فيما يظل مصير صحفيين اثنين مجهولاً: نضال الوحيدي وهيثم عبد الواحد، في جريمة إخفاء قسري مفتوحة على الزمن، كأن الغياب نفسه أصبح أداة عقاب.
داخل السجون، لا تقل الحكاية قسوة. هناك، يُكتب فصل آخر من الألم. في آذار/مارس 2026، استُشهد الصحفي مروان حرز الله داخل سجن مجدو، لا برصاصة، بل بسياسة قتل بطيء: حرمان من العلاج، وإهمال متعمد، وجسد أنهكه الاعتقال حتى النهاية. لم تكن هذه وفاة، بل امتداد لجريمة.
الذين خرجوا من السجون لم يخرجوا سالمين. الصحفي مجاهد بني مفلح خرج بنزيف دماغي بعد أيام من الإفراج عنه، وكأن جسده لم يحتمل ما مرّ به. أما الصحفي علي السمودي، فقد خرج وقد فقد نحو 60 كيلوغراماً من وزنه خلال عام واحد، في شهادة حيّة على أن التجويع لم يعد وسيلة ضغط، بل أداة قتل.
وما بين الاعتقال والقتل، تتسع دائرة الاستهداف. هناك صحفيون حُكم عليهم بالإقامة الجبرية داخل بيوتهم، مثل سمية جوابرة وبيان الجعبة. آخرون أُبعدوا عن القدس، وعن المسجد الأقصى، وعن أماكن عملهم، في محاولة لاقتلاعهم من المشهد الذي يوثقونه. حتى الفضاء الرقمي لم يسلم، إذ تحوّل إلى ساحة رقابة وملاحقة، تُستخدم فيها تهم فضفاضة مثل "التحريض" لإسكات أي صوت.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو ما تكشفه شهادات المعتقلين: تعذيب جسدي ونفسي، تجويع ممنهج، اعتداءات، إذلال، حرمان من العلاج، وعزل طويل. سجون تُغلق أبوابها ليس فقط على الأجساد، بل على العالم كله، مع استمرار منع الزيارات وحرمان اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول إليهم.
كل ذلك يحدث في ظل انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية. ما يتعرض له الصحفيون الفلسطينيون ليس مجرد تجاوزات، بل جرائم قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وفق القانون الدولي. فالصحفي، بصفته مدنياً، يُفترض أن يكون محمياً، لا مستهدفاً.
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، يكون الصحافي الفلسطني شهادة على زمنٍ تُلاحق فيه الحقيقة، ويُعاقب فيه من ينطق بها. ومع ذلك، يستمر في الكتابة، في التصوير، في البقاء. لأن الحقيقة، مهما طُوردت، لا تموت.