وجهه الذي اعتادت الكاميرات أن تلتقطه ثابتًا في الميدان، صار شاحبًا، ملامحه غائرة، وعيناه تحملان تعب عامٍ كامل من الغياب. خسر نحو 30 كيلوغرامًا من وزنه، حتى بدا جسده أخفّ من ذاكرته، وأضعف من أن يخفي ما مرّ به. خطواته بطيئة، وصوته متعب، وكأن كل كلمة تخرج منه تحتاج جهدًا إضافيًا.
هكذا خرج الصحفي" عمدة صحافي جنين" بعد عام من الاعتقال الإداري، دون تهمة، لكنه محمّل بما هو أثقل من أي حكم.
في منزله، لا يدور الحديث عن الحرية بقدر ما يدور عن النجاة. أمراضٌ مزمنة تفاقمت، وأخرى ظهرت خلال الاعتقال: السكري، ضغط الدم، مشاكل في القلب والمعدة، وإغماءات متكررة كانت تداهمه داخل السجن. لم يكن جسده يحتمل، لكن العناية الطبية كانت غائبة أو مؤجلة، كأن المرض جزء من العقوبة.
اعتُقل السمودي في ربيع 2025، ومنذ تلك اللحظة، دخل في دوامة الاعتقال الإداري، حيث لا تهمة واضحة، ولا محاكمة حقيقية، فقط تمديد يتلوه تمديد. خلال تلك الأشهر، تنقّل بين السجون، وعاش العزل، وتعرّض—وفق شهادات مقربين—لسوء معاملة وإهمال طبي، ترك آثارًا واضحة على جسده.
لم يكن السمودي مجرد اسم في قائمة الأسرى، بل واحدًا من أبرز الصحفيين الميدانيين في جنين، عرفه الناس شاهدًا على الأحداث، لا غائبًا عنها. أصيب سابقًا خلال تغطيته الميدانية، وواصل عمله رغم الخطر، لكن هذه المرة، لم تكن الإصابة في الميدان… بل في الجسد كله.
لحظة الإفراج لم تكن احتفالًا. لم تُرفع فيها الكاميرات كما في عودات أخرى، بل كانت أقرب إلى مشهد خروج مريض من غرفة طويلة بلا علاج. استقبله أهله بفرحٍ مشوب بالقلق، وهم يرون التغيّر الكبير في ملامحه، وكأن عامًا واحدًا سرق منه سنوات.
يقول من حوله إن السمودي بحاجة إلى رحلة علاج طويلة، لا تقل صعوبة عن عام الاعتقال نفسه. فالجسد الذي خرج من السجن، لم يخرج من آثاره بعد.
في هذه القصة، لا يقف الحد عند حكاية صحفي خرج من الاعتقال، بل تتجسد صورة أوسع: حين يتحول الاعتقال من سلب الحرية إلى استنزاف الجسد، وحين يصبح المرض جزءًا من التجربة، لا عرضًا جانبيًا لها.
ووفق معطيات نقابية وحقوقية، سُجّل اعتقال 22 صحفيًا فلسطينيًا في الضفة الغربية منذ مطلع عام 2026، بينهم صحفيات، في سياق متواصل من استهداف العمل الإعلامي . كما وثّقت جهات صحفية 122 انتهاكًا بحق الصحفيين خلال شهر واحد فقط، شملت الاعتقال والاعتداء والمنع من التغطية.