في السياقات الطبيعية، يُنظر إلى الوقود بوصفه مدخلا إنتاجيا أساسيا يحرك عجلة الاقتصاد، غير أن هذه القاعدة تبدو مقلوبة في قطاع غزة، حيث لم يعد الوقود مجرد عنصر تشغيل بل تحول إلى متغير حاكم يحدد مستوى النشاط الاقتصادي وحدود القدرة المعيشية.
فالمشهد القائم لا يعكس أزمة نقص تقليدية، بل يكشف عن نموذج أكثر تعقيدا يمكن توصيفه بـ"إدارة العجز"، حيث تضبط الإمدادات عند مستويات لا تسمح بالانهيار الكامل لكنها في الوقت ذاته تمنع أي شكل من أشكال التعافي.
الأرقام المتداولة تقدم صورة واضحة عن هذا الخلل البنيوي، فخلال فترة تقارب ثلاثة أشهر لم يتجاوز عدد شاحنات غاز الطهي التي دخلت القطاع 307 شاحنات، بإجمالي يقارب 6458 طنا، وهي كمية تمثل نحو خمس الاحتياج الفعلي فقط.
في المقابل، تشير التقديرات إلى أن السوق كان بحاجة إلى ما يقارب 1500 شاحنة خلال نفس الفترة لتحقيق حد أدنى من التوازن.
هذا الفارق الكبير بين العرض المطلوب والمتاح لا يعكس فقط عجزا لوجستيا، بل يعبر عن فجوة منظمة تؤثر مباشرة في بنية السوق وسلوكها.
الصورة تبدو أكثر وضوحا عند النظر إلى تدفق الوقود اليومي، إذ تنص الترتيبات الإنسانية على إدخال نحو 50 شاحنة يوميا، بينما لا يتجاوز ما يدخل فعليا 5 شاحنات في أفضل الحالات، أي ما يعادل 10% من الحاجة اليومية.
هذه النسبة تعني عمليا أن الاقتصاد يعمل بطاقة تشغيل منخفضة للغاية، حيث يتم توجيه الموارد المتاحة نحو القطاعات الأكثر إلحاحا، بينما تبقى بقية الأنشطة في حالة شلل جزئي أو كلي.
هذا الاختلال ينعكس مباشرة على الأسعار، التي تتحرك بسرعة استجابة لأي تغير في حجم الإمدادات.
وفي ظل هذه البيئة، تتشكل أنماط سوقية غير صحية، حيث تتقلص المنافسة وتبرز ممارسات احتكارية تتحكم في الكميات والأسعار، بالتوازي مع توسع السوق غير الرسمية التي تبيع بأسعار تفوق السعر المعلن بفوارق كبيرة.
هذا الوضع يعزز حالة عدم اليقين، ويدفع الأفراد إلى سلوكيات دفاعية مثل التخزين أو الشراء المفرط عند توفر الكميات، ما يزيد من حدة التقلبات.
ولا تقف تداعيات نقص الوقود عند حدود السوق، بل تمتد إلى مجمل البنية الاقتصادية والخدمية/ فالمستشفيات تعتمد على المولدات لتأمين الكهرباء ومحطات المياه والصرف الصحي تحتاج إلى الطاقة لضمان استمرارية عملها.
كما أن سلاسل الإمداد الغذائي والمخابز تتأثر بشكل مباشر بتكلفة الوقود وتوفره. ومع كل انخفاض في الإمدادات تتراجع كفاءة هذه القطاعات وترتفع كلفة الخدمات الأساسية، ما ينعكس في النهاية على مستوى المعيشة والصحة العامة.
ومن منظور اقتصادي أعمق، يمكن فهم هذا الواقع باعتباره نموذجا لإبقاء الاقتصاد في حالة "توازن هش"، حيث لا يُسمح له بالانهيار الكامل ولا يُمنح في الوقت ذاته مقومات النمو.
هذه الحالة تُنتج اقتصادا منخفض الإنتاجية ومرتفع التكاليف ومحدود القدرة على توليد فرص العمل أو تحسين الدخل.
كما أنها تعيق أي محاولة لبناء دورة تعافٍ، لأن استقرار مدخلات الإنتاج وعلى رأسها الطاقة يعد شرطا أساسيا لأي نمو اقتصادي مستدام.