رغم فشل الجهود المبذولة للبحث عن جثة والده الشهيد وابن شقيقه ، إلا أن الامل لازال يحدو الصحفي ياسر أبو هين أن يعثر على جثتيهما تحت الانقاض بعدما حاول الدفاع المدني بواسطة الجرافات مرارا البحث عنهما.
يصر على زيارة أنقاض بيتهم يوميا عله يجد والده المسن تحت الركام ليسمعه دعوات الرضا التي اعتاد عليها ، لكن بعد فقدانه لا دعاء ولا قبر يزوره.
ما يخفف عن ذوي الشهداء زيارة قبورهم وقراءة الفاتحة على أرواحهم ، لكن تلك العادة لن يتمكن من فعلها أبو هين, ويقول بصوت خافت حزين: "حرمت أن أطبع على جبينه قبلة الوداع ليخف حزني عليه بعد فقدانه (..) اليوم رحل وصعدت روح والدي للسماء دون أن يوارى جثمانه الثرى".
وتابع بحرقه وتنهيدة: "صاروخ (إسرائيلي) استهدفه خلال صموده في بيتنا بحي الشجاعية أخفى معالم جسده، لم نجد سوى قطعتا عظم ولحم ولا نعرف هل ترجع لوالدي أم لابن شقيقي الذي بقي مع جده في البيت".
تلك حكاية الصحفي أبو هين وغيره العديد من العائلات التي لازالت تبحث تحت الانقاض عن أبنائها دون أن تجد لهم أثرا ، مما يثير التساؤل حول سبب اختفاء الجثث بعد قصفها في العدوان الاخير على غزة.
الجثة المختفية
هنا حكاية أخرى تقصها والدة الشهيد القسامي أحمد الجماصي ، حينما زارها عصفور ملون صبيحة استشهاد ابنها يوم السابع والعشرين من رمضان يحلق حولها حتى أمسكته وبقي يرفرف على يديها ، حينئذ أدركت أن فلذة كبدها أصابه مكروه خاصة بعدما أحست بضربة على ظهرها وهي تصلي.
خبر استشهاد ابنها بقي اياما لم يزفه إليها أحد ، رغم أن احساسها يؤكد أن روحه صعدت إلى بارئها إلى أن اخبرها ابنها الكبير يوم العيد قائلا " يما اخويا استشهد" ، كبقية الامهات دعت له وراحت تصلي ركعتي شكر لله تعالى.
حينما فرغت من صلاتها تساءلت عن موعد قدومه محمولا على الاكتاف لتوديعه فأخبرها ابنها "أخوي فش اله جثة".
زارت "الرسالة نت" أم الشهيد في بيتها حيث قالت وهي تختلس النظر لمن يمر ببابها عله يكون احد رفاقه يحمل خبرا سارا عنه: "أتمنى أن يحضروا لي قطعة من جسده ألمسها لأشعر بالراحة بعدها (..) لا يهم إن كانت محروقة فهو ابني أحبه كيفما يكون "، لم تتمالك نفسها مرددة " بدي جثته لتبرد نار قلبي".
واصل زوجها الحديث ليصبرها بذهاب ابنه إلى خالقه وجثته لا قيمة لها فالاهم هو الشهادة ، موضحا أنه يحتاج من يصبره لكنه يقوي نفسه من أجل زوجته وأبنائه ، ودوما يسأل إن وجدت جثته أم لازالت مختفية.
والد الشهيد الجماصي كزوجته لم يكن يعلم باستشهاد ابنه رغم أن نظرات المصلين في المسجد كانت تلاحقه وهم يرددون " الله يصبره" ، ويقول: "شباب المسجد كانوا يعلمون بالخبر ، لكني كنت أمنح نفسي الأمل بعودته كونه لم يبلغنا أحد بشكل رسمي نبأ استشهاده" ، متابعا: دوما كنت أردد "اللهم اجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها".
وإن كانت والدة القسامي تتمنى أن يأتوا لها بجثته إلا أن والد الشهيد مؤمن البطش الذي انتظر ولادته عشر سنوات، لا يريد الحديث عن ابنه المجاهد صاحب الجثة المختفية كي لا يعطي الأمل لنفسه وعائلته مرددا "احتسبه عند الله فهو في خير مكان".
جثامين الشهداء
كثيرة هي الجثث التي لازالت مفقودة بعد العدوان الاخير على غزة ، فلا يمكن حصرها لعدم وجود احصائية دقيقة توثق ذلك.
سعيد السعودي مدير جهاز الدفاع المدني ذكر أن جهودهم في البحث عن جثامين الشهداء المختفية توقفت، خاصة بعد حفر البيوت والنبش تحت الانقاض دون فائدة ، مشيرا إلى أنه نتيجة قوة الانفجارات تلاشت الكثير من الجثث حرقا وتفحمت مما ادى الى تحللها أو تناثرها اشلاء.
واوضح أن الدفاع المدني بعد البحث وجد بعض اشلاء الشهداء فأعطوها لذويهم بعد التعرف على اعضائهم كالأطراف ومن ثم دفنهم ، مرجعا صعوبة التعرف على الجثث إلى عدم توفر كشف DNA لديهم.
ولفت السعودي إلى أن اشارة أتتهم بفقدان مجموعة من المجاهدين تسللوا داخل الاراضي المحتلة، الامر الذي دفع ذويهم لإخبار الصليب الاحمر للتواصل مع الجانب (الإسرائيلي) لمعرفة هل هم أحياء أم معتقلين ويجري البحث في مصيرهم.
وفي السياق ذاته تحدثت مسعدة سيف الناطقة الاعلامية باسم الصليب الأحمر أنه لديهم 15 ملفا لمفقودين لم يتم تحديد مصيرهم إن كانوا معتقلين في السجون (الإسرائيلية) أم لا، موضحة أنهم تواصلوا مع الطرف (الإسرائيلي) وعلموا بعض اسماء المعتقلين وتمت زيارتهم واطمئن ذووهم.
وأكدت أنه لا يوجد لديهم عدد دقيق حول عدد المتواجدين تحت الانقاض ، مبينة أنهم يتواصلون مع وزارة الصحة لمحاولة التعرف على جثث مجهولة.
ويبقى ذوو المفقودين متعطشين لسماع خبر عن جثامين أبنائهم أو أشلاء بسيطة يمكنهم دفنها لزيارة قبورهم وقراءة الفاتحة على أرواحهم.