لا أحد ينكر ما حققته حركة حماس من انتصار عسكري كبير تمثل بضرب المدن الصهيونية بالصواريخ على مدار 51 يوما مع فصائل المقاومة، وقتل وإصابة مئات الجنود (الإسرائيليين)، وتفجير عشرات الآليات والمدرعات والدبابات في الشجاعية والتفاح ورفح والزنة وبيت حانون، وتنفيذ مجموعة عمليات نوعية خلف خطوط العدو، أضف إلى ذلك ما يفتقده الاحتلال من جنود لا يُعرف مصيرهم حتى اللحظة.
إلا أن الانتصار الميداني لا يعني بالضرورة إنجازا سياسيا واضحا أو سريعا، وهذا ما تحرص عليه الحركة بعدما استطاعت تحقيق مجموعة من النقاط السياسية أهمها اتساع جماهيريتها في الشارع الفلسطيني في الداخل والشتات، وعودة الثقة لبرنامجها المتمثل بالكفاح المسلح، وتحييد بعض أعدائها وزيادة حلفائها عددا ونوعا وتماسكا، مع ما حققته من كي لوعي الاحتلال من مجرد التفكير بتكرار أي عدوان على غزة بعد ذلك.
وكان يصعب على حركة حماس تحقيق اختراقات سياسية واضحة وعميقة في ظل وجود الرئيس محمود عباس الذي سارع بالالتفاف على انتصار شعبنا ومقاومته وتباطأ وتلكك بصورة واضحة، ووقف عائقا أمام إكمال الانتصار السياسي، وهو يتحمل كامل المسؤولية بصفته رئيس المنظمة والسلطة، وأحسنت حماس صنعا انها ما زالت تتعامل بمنطق المنتصر المتعالي على صغائر المناكفات الداخلية التي حاول الرئيس إدخال الحالة الفلسطينية بها عبر تصريحاته العدوانية التوتيرية، وما تبعه من سلوك بعيد جدا عن أي اتفاق أو توافق.
فأولوية حماس الآن تتمثل بامتصاص حالة الارباك التي يقوم بها الرئيس، والتوجه بخطوات تعزز فيها الوحدة وتتعمق بين الضفة وغزة وبين فتح وحماس وجميع أطياف شعبنا، وأعتقد أن الرئيس سيخسر مزيدا من النقاط بمعاندته السلبية للبيئة الفلسطينية الداعية والمدعمة للوحدة والتوافق، وقد يدفع الرئيس ثمنا باهظا في حياته وبعدها إن لم يسارع بتعضيد الشراكة، وتفعيل وانجاز الملفات الأربع بشكل وطني والمتمثلة بعمل حكومة الوفاق، وتفعيل المجلس التشريعي ليعتمد ويصادق على هذه الحكومة، وتنشيط المجلس القيادي المؤقت لمنظمة التحرير بالاضافة للذهاب لانتخابات تشمل المؤسسات الفلسطينية الرئيسة "المنظمة والتشريعي والرئاسة والمحليات".
لن ينصلح الحال الفلسطيني دون العمل بهذه الخطوط العريضة والتي تنتهي بانتخابات سليمة يستطيع شعبنا من خلالها تحديد ممثليه الحقيقيين والذهاب لسياسات جديدة توائم المتغيرات في الساحة الفلسطينية والعربية، فلا عودة للانقسام ولا عودة للتراشق وليكف الرئيس عن محاولاته وعن هذا العبث غير المجدي، ولا أحد ينكر أن الرئيس اصبح عبئا ثقيلا على حركة فتح والسلطة بعدما تفرد بالقرار وانتقم من خصومه.
يبدو أن الرئيس عباس مُصر على السير قدما بانحراف وطني واضح لا يقبله أحد إن كان فتحاويا أو يساريا أو مستقلا فضلا عن الحماسيين من هذا الشعب، وعلى الجميع الصبر والتصبر حتى نعيش ما بعد هذا الرجل حياة فيها وحدة وكرامة وشراكة وعمل متكامل بعدما فتت القضية وشق فتح وأحدث انقساما وضيّع العمل المسلح.