منذ بدأت يوميات الحرب التي تجاوزت الخمسين تأهب عدد كبير من السائقين لخدمة السكان ونقلهم لاماكن آمنة ، فيما لازم اخرون الصحفيين لتغطية الاحداث فوضعوا أرواحهم على أكفهم وراحوا يبحثون عن اماكن القصف وتنقلوا بين أزقة الشوارع التي بقيت شامخة رغم قصفها.
غالبية السيارات المتحركة داخل القطاع طبعت عليها كلمة "press" لكن تلك الكلمة التي طالما منيت بالحصانة الدولية، لم تمنع دولة الاحتلال من قصف خمسة سائقين كانوا يقلون الصحفيين لاماكن عملهم.
أمام أحد البيوت المدمرة في حي الشجاعية اصطحب السائق الخمسيني سمير نطط "أبو اياد" الصحفي محمد أبو قمر من "راديو الرسالة" خلال تغطيته لمجزرة الشجاعية ، فلم تكن المرة هي الاولى التي يرافق فيها أحد صحفيي مؤسسة الرسالة الاعلامية فقد عاش برفقتهم تفاصيل العدوان منذ بدايته وتعرض للكثير من المخاطر معهم .
خلال لحظات هدوء بعيدا عن صوت الصواريخ جلس العم "أبو اياد" ليحكي تجربته فترة العدوان على غزة ، بعدما احتسى فنجان قهوته روى أن المعركة الحالية هي الاشرس مقارنة بما مضى ، فهو يخرج من بيته مودعا ابناءه وكأنه سيعود شهيدا.
ويقول: إنه يدرك خطورة عمله لكنه يؤمن بوجود رسالة يجب أن تصل لفضح ممارسات الاحتلال الاسرائيلي ضد المدنيين في بيوتهم.
وبحسب أبو أياد فإن من يريد العمل خلال العدوان عليه امتلاك قلب من حديد كون الاحتلال يستهدف كل شيء متحرك دون التفرقة بين مدني ومقاوم.
ومن المشاهد التي لازالت ترافق ذاكرة السائق نطط يقول :"خلال الساعات التي سمح بها الاحتلال للصحفيين الدخول لحي الشجاعية شعرت بالخوف لحظة دخوله خاصة حينما شاهدت في احد المنازل المدمرة رجل فوق أولاده كان يحاول حمايتهم لكنهم جميعا ارتقوا شهداء".
موقف خطير آخر تعرض له السائق عندما ذهب لإحضار أحدى الصحفيات التي تسكن المناطق الشرقية لمقر العمل ، فحينما كان ينتظرها اسفل بيتها وقبل أن تتحرك سيارته تم قصف منزل مجاور لسيارته وقتئذ شعر بالموت يقترب منه ، لكنه بقي متماسكا كي لا يثير رعب من معه .
ووصف عمله الليلي بالخطير كون الاحتلال لم يترك بداية العدوان شيئا متحركا الا قتلته ، موضحا أن الاتصالات تنهال عليه من زوجته عند سماعها خبرا مفاده استهداف سيارة مرسيدس ، بالإضافة إلى أن والديه المسنين دوما يحاولا منعه الخروج من المنزل خوفا عليه .
لم تقتصر مهام العم "أبو اياد" على نقل الصحفيين لأماكن تغطية الحدث فقد ساعد في نقل كثير من الجرحى عبر سيارته ، إلى جانب تواصله مع الصحفيين أثناء تواجده في البيت وابلاغهم عن وجود قصف قريب من مكان سكناه.
وعند عودته للبيت وتسليم مهام عمله لابنه أحمد فترة راحته يقبل عليه احفاده وطفلته الصغيرة محتضين اياه " حمدلله على سيدو " وعند خروجه يرددون كما امهاتهم وجدته " دير بالك على حالك ".
حكاية أخرى عايشها السائق وائل عبد الرحمن الذي اعتاد مرافقة الصحفيين الاجانب ، لإيمانه بضرورة ايصال رسالة الصحفيين ، لكن عبد الرحمن يفضل في بعض الأحيان التعامل مع الصحفيين المحليين لشعوره بريبة تجاه بعض الأجانب لاسيما حينما يتصلون عليه ويبلغونه بضرورة اصطحابهم إلى مكان سيتم قصفه.
ومن مواقف الخطر التي تعرض لها كانت عندما اصطحب أحد الصحفيين في شارع صلاح الدين ليتم استهداف المنزل القريب من سيارته ،ومن ثم استهدف الركام حيث كان يقف الصحفي أمام الكاميرا وقتئذ لم يدركوا أين سيختبئون.
أحد المشاهد التي لازال يتذكره عبد الرحمن حينما يشاهد طفلته الصغيرة مفزوعة ، هو عندما ذهب بصحبة أحد الصحفيين لتصوير بيت تعرض للدمار وإذ بطفلة صغيرة جريحة استنجدت بهم والدتها لإنقاذها ، وقتئذ حملوها وذهبوا بها إلى المشفى لترتقي شهيدة بعد أسبوع.
وكغيره من السائقين والصحفيين الذين ذهبوا إلى حي الشجاعية بقيت مشاهد الدماء والركام تراوده ليل نهار ويقول :" حتى اللحظة لا استطيع النوم سوى نصف ساعة (..) حينما اغفو استيقظ مفزوعا من هول المشاهد التي لازالت عالقة في ذهني ".
هنا انتهى تقريرنا بعدما حرك السائق عبد الرحمن سيارته لينطلق حيث اتصال جاءه من صحفي ليوصله إلى مكان الحدث في منطقة الصحابة لتصوير الهدف الجديد الذي قصته طائرات الاحتلال.