إسرائيل في الأيام الأولى للمعركة كانت تحرص على ضبط إيقاع النار وترميم حالة الردع، بعدما أظهرت تقديرات جيش الاحتلال أن "غزة لم تعد خائفة"، فكان من الضروري أن تتخذ (تل أبيب) ردا يناسب "حالة التمرد".
فشلت المخابرات الإسرائيلية في معرفة مديات القذائف الصاروخية لدى المقاومة في غزة ولا حجمها وقوتها، رغم أنها كانت ترصد التجارب الصاروخية لها في عرض البحر، لكن التقدير لدها استقر على معلومات تفيد بأن المقاومة تملك قوة نارية قادرة على أن تصل إلى مدى 260 كم. واعتقدت إسرائيل في بداية الأمر أن القصف في مديات واسعة سيكون "محدودا"، بيد أن أيام المعركة غيرت هذه التكهنات.
المقاومة افتتحت القصف بالضرب على حدود 10-20كم، على المستوطنات المحاذية لقطاع غزة، واستخدمت فيه نوعين من الصواريخ "محلية ومستوردة"، وسرعان ما بدأ الاحتلال يطلب من المستوطنين الاقتراب من الملاجئ، وأوقف تحسبا العملية التعليمية.
بعدها، اتسعت رقعة النار إلى حدود الـ 60كم بضرب مدن عسقلان وبئر السبع ونتيفوت، ثم بدأ التركيز على مناطق مهمة ومدن رئيسية في مناطق الجنوب، لما لها من عمق استراتيجي لدى الاحتلال.
في اليوم العاشر للمعركة، بدأت تتسع النار وتأخذ عمقا أكثر داخل الأراضي المحتلة، ما استدعى قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية إلى فتح الملاجئ على بعد 160كم، إلى أن فُتحت جميعها في كل البلدات المحتلة، مع مرور الأيام، وهذا يعكس وعيا كبيرا لدى المقاومة، التي أرادت استنزاف العدو.
ومن الجدير ذكره هنا، أن منطقة الوسط لدى الاحتلال -تل أبيب الكبرى-تضم أكثر من 2 مليون و800 ألف إسرائيلي، بمعنى أن نصف المجتمع الإسرائيلي يتركز في هذه المنطقة، ثم لا ننسى أن (تل أبيب) مدينة تملك المال، وبذل نتنياهو جهدا كبيرا للترويج بأنها "الملهم في الشرق الأوسط كعامل للاستقرار، ومنطقة الازدهار الوحيدة"، حتى أن عواصم عربية صارت تنسج حالة من التعاون الاقتصادي مع شركات إسرائيلية فيها. ومنذ 10 سنوات، بدأت تنتقل التجارة الاسرائيلية إلى أسواق العرب.
امتدت النيران بعدها حتى وصلت شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة (حيفا، ويافا، والحدود الشمالية مع سوريا ولبنان). ذلك شكل رعبا لدى الاحتلال، وأطلقت قيادة الجبهة الداخلية استنفارا كبيرا لنقل المواد الكيماوية التي يتركز تصنيعها في المناطق الشمالية، خاصة الساحلية، وبدأ الاحتلال في نقلها وتأمينها، وتوقفت المصانع أيضا، وأخذ الخبراء يتحدثون عن خطورة إصابة هذه المصانع، وأجمعوا على أن 6 مليون إسرائيلي باتوا يتحركون تحت النار، حتى أن مصادر إسرائيلية ذكرت أن صفارات الإنذار صارت تطلق كل 4 دقائق، بمعنى أن الإسرائيلي ينزل الدرج إلى الملاجئ 20 مرة في اليوم.
وعي المقاومة في هذه المعركة تطور بشكل كبير عن معركتي 2008 و2012، حيث اختارت اليوم أن توائم بين الضخ الناري وحركة الأيام، وبذلك بقيت المقاومة مُحافِظة على إيقاعها ومنضبطة في ضربها، ولها التأثير الكبير على الجبهة الداخلية.
الحركة الداخلية في إسرائيل اليوم باتت خائفة ومضطربة، وهناك أيضا خوف وارتباك من حالات إجرام قد تؤثر على البنية المجتمعية، حتى أن طبيبة نفسية إسرائيلية قالت حرفيا: "المجتمع الاسرائيلي اليوم ضعيف ومرتبك، صرت أشاهد أسرا بكاملها تصاب بحالات هلع، مشافي تل أبيب استقبلت لوحدها أكثر من 750 حالة خوف وهلع شديد جراء صواريخ المقاومة، وعندما رجعنا إلى معطيات الجيش الإسرائيلي عرفنا أن القبة الحديدية لم تسقط أكثر من 12% من الصواريخ التي ضربت علينا".
شركات استثمارية كبيرة بإسرائيل سحبت في الأيام الأخيرة أكثر من 3 مليارات دولار، ما يعني أن خسائر كبيرة جدا أصابت الاقتصاد، فضلا عن انهيار الموسم السياحي، ثم إن السفر إلى إسرائيل لم آمنا كذلك، بعد تعطل أكثر من 400 رحلة جوية، ومع كل هذا تحذر المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها كتائب القسام، من أن في جعبتها صواريخ "لم تستخدم بعد".
الإسرائيلي اليوم صار أكثر ما يفكر فيه هو "الهجرة" بعد الخوف والهلع، وبعد أن أصبحت المقاومة الفلسطينية في غزة هي من تحدد له وقت الخروج من الملاجئ والعودة إليها.
للاستماع للحلقة الثالثة اضغط هنا