قائمة الموقع

مقال: في غزة.. نداعب الموت

2014-08-18T08:07:06+03:00
رئيس التحرير/وسام عفيفة
بقلم رئيس التحرير/وسام عفيفة

الحكاية من جديد.. غزة، تلك الصغيرة العنيدة، التي لا تتنازل عن كبريائها، فرغم فقرها تناطح أمراء النفط في الخليج، ومع ضعفها تساوي رأسها برأس القوى العظمى.

في كل العالم، يداعبون الأطفال والنساء، يداعبون خيولهم وقططهم، يداعبون "روبوتاتهم"، أما هنا في غزة فنُجيد مداعبة الموت. وفي الليالي المعتمة بفعل غياب الكهرباء، وبينما تنشر المدفعية شظايا قذائفها حولنا، وتلقي الطائرات صواريخها بالقرب منا، فتهتز الأرض والقلوب، حينها نسرد لأطفالنا حكاية الموت الجميل كم هو هادئ لا يؤلم.

أحدهم يقول لأطفاله: لا تخافوا من الصواريخ، لأنها عندما تسقط فوق منزلنا لن نسمع صوت انفجارها، ولن تهتز أركان منزلنا.

ثم يقرب المشهد من خيالهم أكثر.. الموت بالصاروخ يا أحبابي مثلما نشاهد التلفزيون وتنقطع الكهرباء فجأة، ماذا يحدث؟

فيجيب الأطفال ببراءة: تصبح الشاشة سوداء.

نعم.. أصبتم، هكذا هو الموت بالصاروخ، تنقطع عنا الحياة بهدوء كما تنقطع الكهرباء عن التلفزيون.

وهكذا بدأ أطفال غزة ينسجون علاقة خاصة مع الصاروخ، أولا صاروخ المقاومة الصادر، ينطلق من قلوبهم، يهزها في اللحظة الأولى، وسرعان ما يبتسمون ويهللون، يطمئنون أننا نَضرِب ولا نُضرَب فقط، وأصبح لديهم خبرة بها وبأنواعها.. هذا إلى (تل أبيب)، وهذا إلى حيفا، وهذا قريب.

في المقابل، يسقط الصاروخ الوارد في وعيهم وفي عقلهم، يتساءلون بغضب: كيف لهذه الطائرات أن تلقي حممها فوق رؤوسنا وليس لدينا مثلها؟ كيف نُسقطها؟ أسئلة سوف ترحل معهم في ذاكرتهم إلى المستقبل، ليبحثوا عن إجابات عبر الأزمنة والأجيال القادمة، لهذا يلتقطون الصور التذكارية وهم يمتطون صاروخ اف 16 لم ينفجر، كأنه أصرَّ أن يتعرف إلى أطفالنا ويتعرفوا إليه، يقول لهم: أنا الذي يجعل الحياة سوداء في عيونكم، أحوِّل بيوتكم إلى مقابر جماعية.

 أما الأطفال فيربتون عليه، يتحسسوه بأناملهم الصغيرة مثل صيادين يستكشفون وحشا بعد أن روّضوه، يقولون له: نحن نعرفك جيدا، نعرفك أكثر ممن صنعك وقذفك، لأن أشلاءنا تختلط بشظاياك، ورغم ذلك نداعبك، لأننا اعتدنا أن نداعب الموت.

 

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00