قائمة الموقع

أم الشهيد "سكافي" وُلِدتْ يوم استشهد ابنها

2014-08-03T07:09:19+03:00
الرسالة نت- محمد أبو زايدة

مسحت أم عصام سكافي الدم عن وجه ابنها الشهيد، ثم رسمت قبلة على وجنتيه، وأطلقت العنان لزغرودتها غير آبهة بمن حولها، وكلتا يداها تحتضنان جثمانه، فلم تحرمه حنانها بعد موته، وبقيت جالسة بجواره لدقائق عدة والناس من حولها يحثونها على النهوض .. فلا تجيب.

تمرر أناملها على جسده المسجّى، مرة على قلبه، وأخرى على يده التي كان يمسك بها رأسها ويقبله، وتنظر إليه بين اللحظات محدثة ابنها "هل رحلت يا حبيب أمك؟ مبارك لك الشهادة، مبارك زواجك يا قرة عيني". وتتربع بجلستها بجوار ابنها الشهيد عصام لتبدأ حديثًا من القلب إلى الروح.

حمل أصدقاء الشهيد جثمانه على أكتافهم، وساروا به حيث مثواه الأخير، وزغاريد أمه لا تفارقه، ولسانها يلهج بالدعاء والرحمة، مخبئة دموعًا لا تريد أن يراها أحد .. رافضةً إلا أن يقولوا لها "يا أم العريس".

وما أن غادر ابنها للقاء ربه، حتى بقيت جالسة في مستشفى الشفاء تعتاش على ذكرياته التي تركها خلفه، لا سيما بعد استشهاد 9 من أفراد عائلتها، بعد قصف قوات الاحتلال "الإسرائيلي" لبيوت الآمنين في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، فجر الحادي والعشرين من رمضان.

وفي زيارة "الرسالة نت" إلى أم عصام، استقبلتنا بابتسامتها التي ترسمها لتخفي ذلك الحزن الثقيل الذي يأسر قلبها، واستبقت الكلام قبل بدء الحديث بقولها " أنا أم العريس عصام سكافي.. أنا أمـه".

 وفي جلسة تصارع الذكريات رأس أم "العريس"، وينقبض قلبها مع ذكر اسمه، لتنتزع الحروف من أعماقها بالقول "أنا وُلِدتُ وقت أن استشهد ابني.. أنا الآن عمري يوميـن.. ابني هو أبوي وأنا ابنته".

ترتسم تلك الابتسامة من جديد على وجه أم العريس، وتبرق عيناها وكأنهما نجوم في عنان السماء، لتعلن فرحتها.. أو لتخبئ حزنها بعد رحيل ابنها، وتضيف بقولها بعد تنهيدة " كنت أعتبر عمري 98 سنة قبل العدوان على غزة، ومن لحظة استشهاد ابني وعائلتي ولدت من جديد". بينما عمرها الحقيقي يقارب الـ45 عامًا.

ومع انتهاء آخر حرفٍ وتسكينه، حتى اختلفت نبراتها، وتغيّرت ايماءات وجهها، لتفصح عن غضبٍ استوطن قلبها، وترسل برقية بحديثها قائلة " أنا بأقول للعالم احنا انولدنا من جديد، ما كسرته فينا شيء، أعطتونا عزيمة وصلابة، راح ندافع عن كل شبر ببلدنا، حتى لو ما ظل فينا روح وحدة .. وإسرائيل إلى زوال".

 وفي راحة لأنفاسها لبضع ثواني، تعدل من جلستها على حافة السرير الذي ترقد عليه بجوار أحد الناجين من عائلتها، لتروي تفاصيل مأساة سطّرها جبروت الاحتلال وطغيانه.

تقول :" نعيش في بيتٍ بحي الشجاعية شرق مدينة غزة، وفي احدى الليالي المظلمة أول العشر الأواخر من شهر رمضان، بدأت قذائف إسرائيلية تتساقط على الحي بشكل جنوني، ودبّ الخوف في قلوب الصغار، وبيت العائلة يجمع عدة عوائل اجتمعوا ليؤنسوا بعضهم، والكبار طلبوا منا أن نذهب إلى أكثر البيوت أمانًا علّه يكون منقضًا لنا من تلك القذائف المجنونة".

لكن لم تدرِ هذه العائلة أن "إسرائيل" لا تفرق بين بيت وآخر، فكله تحت الاستهداف، لتفرغ نشوة زرعت بداخلها، تتمثل بالقضاء على كل من يحمل الجنسية الفلسطينية.

تضيف أم عصام، " كنا نصلي، إلا أن عدة قذائف سقطت على المنزل، والمكان الذي اعتقدنا أنه آمنًا، لكنه كان أخطر شيء، فاستشهد تسعة من رجال العائلة، وأصيب الآخرون، وبقى الجميع تحت الأنقاض لساعات حتى سمح الاحتلال لسيارة الاسعاف بانتشال الشهداء والمصابين".

وللشهيد عصام (27عامًا) حكاية ما قبل الاستشهاد ترويها أمه بتفاصيلها، ومع كل ذكرى يمتزج صوتها بنبرات ما بين الحزن والفرح وتطفو عليها بعض الآهات المكتومة، فتتحدث عن عريسها: "تخرج ابني من جامعته وتوظف منذ ستة أشهر في احدى المدارس بالحي، ولم يستلم إلا راتبا واحدا، وتواعدنا أنه بعد أن يستلم راتبه الآخر وتبدأ الرواتب بالانتظام سنبدأ بالترتيب لزواجه".

" طلب مني أن يختار عروسته بنفسه، ولا يجبره أحد على الاختيار، ودفعت من حر مالي لبناء بيته وتجهيزه للزواج، وقبل أن يستلم راتبه الثاني، صعدت روحه للسماء".

تنظر بالمحيطين وتشير بسبابتها نافيـة " تعبي ما راح على الفاضي، ابني تزوّج، واختار ما طلب، وهو الآن يعيش بين 72 حوريـة في جنات النعيم".

وتعود الابتسامة أدراجها لوجنتيها، لتنهي حديثها بالقول " ابني ما زال عايش معي.. ريحته بالمكان".

اخبار ذات صلة