قبيل آذان المغرب، خلا شاطئ بحر غزة من أي شيء غير أطفال عائلة بكر. كانوا عدة أطفال يلهون. قسّموا أنفسهم إلى مجموعتين، لعبت إحداهما دور اليهود المحتلين، والثانية مثّلت دور المقاومين. السلاح كان قطعا خشبية، وساحة المعركة كانت أرضا قريبة من ميناء غزة.
بدأت المواجهة وأخذت كل مجموعة ساترا لها. اعتلى أحد الأطفال وهو إسماعيل بكر (9 سنوات) "كرفانة" حديدية على الشاطئ هناك، وسرعان ما فتحت المجموعتين بأفواهها، النار.
قواعد القتال التي اتفق عليها الأطفال كانت تفرض استخدام السلاح الخفيف فقط، لكنها اختلفت تماما حين سقطت قذيفة ثقيلة على "الكرفانة" التي يعتليها إسماعيل. صوت انفجار عنيف دوّى في المكان، نيران حقيقية تشتعل، ما الذي يجري؟. الجميع ألقى القطع الخشبية ثم فرّوا هاربين، ولم يملك أحدهم الجرأة أن ينظر خلفه.
المؤكد أن المجموعة المقاوِمة فقدت أحد الجنود وهو (إسماعيل). لكن اللعبة انتهت، وأصبح الجميع عرضة لإطلاق النار التي لم يعرف مصدرها. وبينما أطلق الأطفال سيقانهم للريح، باغتتهم قذيفة أخرى، قتلت على الفور ثلاثة أطفال، ونثرت بقوتها أشلائهم بعيدا.
النجدة جاءت سريعا من السكان المحيطين بالمكان، الذين انتشلوا جثامين أربعة أطفال من عائلة بكر (أبناء عم). لاحقا عُرف أن مصدر النيران كان بارجة حربية إسرائيلية في عرض البحر، بمعاونة طائرة حربية دون طيار كانت تحلق فوقهم.
ما حصل كان مجزرة دامية، أعلن جيش الاحتلال أنه سيحقق فيها "بأمانة". المجزرة كانت محرك "تهدئة إنسانية" لمدة ست ساعات، أعلنت عنها الأمم المتحدة ووافقت عليها (إسرائيل)، بعد توثيقها من ناشطين أجانب كانوا يقطنون فندقا يجاور مكان الاستهداف.
في تلك الساعات الست، توقف القصف وهدأت كل الأصوات، إلا صوت واحد، كان مصدره بيوت الأطفال الأربعة. هو بكاء الأمهات، الذي راح يعلوا تدريجيا كلما اقتربنا من شارع "عايدية" في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، حيث تسكن عائلة بكر.
رُفع آذان مغرب ذاك اليوم على عائلة بكر وهي في المقبرة تدفن أطفالها، وعلى الدموع أفطر نساؤها، وظلَّ طعام إفطارها حبيس الأواني.
لم تنصب العائلة سرادق عزاء -كما كل عوائل الشهداء- خشية استهدافه، لكن ذلك لم يمنع قدوم المعزِّين. وسائل الإعلام كانت أولهم، حيث تهافتت لتوثيق قصة الطفل محمد (11 سنة) من بين الأطفال الأربعة، الذي رُزق به والده (رامز بكر) بعد خمس عشرة سنة، وكانت "الرسالة نت" من بين تلك الجموع.
في منزل بدا باليا من الداخل، جلس والد محمد على أريكة بنية اللون وأمامه كاميرا إحدى وسائل الإعلام يروي للمراسل الساعات الأخيرة لابنه في البيت. يقول: "بالأمس، هدد الاحتلال بيوت أحد جيراننا بالقصف، فبتنا الليلة في الشارع ثم عدنا صباحا، نمت وفي حضني محمد حتى الظهيرة، حيث أيقظته أمه ليذهب كي يحضر لها غرضا.. أتذكر وقتها أن محمد لم يرد النهوض وأصر على البقاء في حضني".
ويكمل: "عاد محمد بعدما أحضر غرض أمه، وأخبرها بنيته الذهاب للعب مع أبناء خاله، وبعد ساعات مضت، جاء شقيقه (سيّد) خائف يبكي، ليخبرني باستشهاد محمد.. لم أره من وقت ما نهض من حضني، راح حبيبي راح".
كان الوالد يحاول في جلد أن يبقى متماسكا، لكنه لم يحتمل حبس دموعه، فسالت على خدّيه أمام الجميع. حينها، عمّ الصمت المكان.
محمد كان الطفل المحبب لوالده (43 عاما)، من بين سبع بنات وأربعة ذكور. كان يطلق عليه لقب "الداقور"، نسبة إلى نوع من السمك معروف بكثرة حركته، وهي الصفة التي يشترك فيها محمد، كما أخربنا والده، الذي يعمل صيادا. وسبق أن صادرت بحرية الاحتلال مركبين له في عرض البحر عام 2012، ولتلك المضايقات، اتجه إلى بيع السمك في دكان له بـ"حسبة السمك"، غرب غزة، ومنه يعتاش.
اقتنصت "الرسالة نت" فرصة الجلوس لدقائق مع والد الطفل، ليصف لنا شعوره في اللحظة التي رأى فيها طفله محمد مضرجا بدمائه في إحدى ثلاجات الموتى بمستشفى الشفاء؟، أجاب: "تلك لحظة لا أتمنى لأحد أن يكون فيها مكاني، فاجعة.. فاجعة يا الله".
هول المنظر –خاصة أن الأطفال الأربعة وصلوا المستشفى أشلاء ممزقة- أخرج والد محمد عن طوعه وأخذ يصرخ باكيا: "كانوا قادرين يقتلوه برصاصة، أما يقصفوه بأربعة صواريخ!"، "والله حرام"، رددها ثلاث مرات، ثم قال بنبرة حاول أن يشحنها باليقين: "أنا أؤمن أن الله أخذ طفلي لأنه يحبه أكثر منّي".
ماذا عن والدة الطفل محمد؟، تُرى هل واصل قلبها النبض حين دخلوا به البيت محمولا على الأكتاف شهيدا، وهي التي أذِنت له الذهاب للعب مع أبناء خاله؟. حين التقيناها، كانت تلف رأسها بوشاح أسود، وقد بدا عليها التعب. لم تنتظر أن نسألها فبادرتنا والدمع سبق الكلام: "النار قايدة في قلبي يما.. آآه يا محمد، يا وجع قلبي انت، يا كسرة ظهري من بعدك يما". لم تتحدث بأكثر من ذلك، لأنها مجهدة من عملية جراحية كانت قد أجرتها حديثا.
سؤال واحد تبحث عائلة بكر عن إجابة له، لا تريد أكثر من ذلك، وقد أخذ القهر مساحة من قلوب نسائها ورجالها: "لماذا قتلتم أطفالنا؟". المؤكد أن العائلة لن تحصل على مرادها، لأن أطفالها ليسوا أول من قتلوا برصاص الاحتلال، فالعدوان القائم سلب أرواح 52 من الأطفال والنساء، والعدد مع استمرار القصف، يرتفع.