كانت عقارب الساعة تشير إلى الرابعة والنصف فجرا، عندما خرج محمد من منزله قاصدا المسجد المجاور لبيته لصلاة الفجر جماعة كما اعتاد، إلا أن ذرات التراب التي اعتادت على خطوات محمد لم تشهد وقع قدميه اليوم، فقد حال بينهما غدر (إسرائيلي).
أمام باب منزله استوقفته سيارة من نوع "هونداي"، ترجل منها مستوطنان اثنان. بداية الأمر دار بينهم حوارا عاديا، كان خلاله يؤشر محمد بيديه لأحد الأماكن، وكأنه يدلهما على مكان ما يسألونه عنه.
لم يطل وقوف الفتى النحيل معهم، وعنوة أدخلوه إلى سيارتهم وانطلقوا بسرعة جنونية، كانت تقود محمد إلى مصيره.
تلك اللحظات رصدتها كاميرات المراقبة الموجودة على أبواب المحال التجارية في المكان، كما رصد الثواني الأخيرة منها أصدقاء محمد، الذين رأوا المستوطنين يدخلوه بقوة للسيارة في حين كان محمد يصيح مستغيثا.
"محمد انخطف" عبارة وقعت على سمع أم محمد كالرصاص، اشتعل قلبها خوفا ورعبا على مصير طفلها، في حين كانت النيران تشتعل في جسده وهي لا تدري.
فجر الثالث من رمضان، كان الصباح الأخير في حياة الفتى محمد أبو خضير (17 عاما) من بلدة شعفاط في القدس المحتلة، ليتم العثور على جثته متفحمة في أحراش دير ياسين القريبة من شعفاط.
ونقلت جثة محمد للتشريح والتحقيق في سبب الوفاة، حيث طلبت الشرطة (الإسرائيلية) من ذويه القدوم للتعرف عليه واستلامه.
محمود أبو خضير ابن عم الشهيد، كان ممن أمضى وقتا مع محمد في الساعات الأخيرة من حياته، يقول: "حتى الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل كان محمد يجلس معي وسهرنا سوية، أحاديثه وكلامه وضحكته لا تفارق مخيلتي".
ويتابع محمود لـ"الرسالة نت": "كل من يعرف محمد يشهد له بضحكته وابتسامته التي لا تفارقه أبدا (..)، كان دائم المزاح وصاحب روح خفيفة الظل، يضفي جوا من الفرح أينما حلّ".
أضواء الزينة المعلقة في طرقات شعفاط سيخفت نورها الليلة بعد غياب محمد، الذي كان سباقا للتطوع في تزيين حيّه وبلدته في أول أيام شهر رمضان المبارك.
يضيف محمود: "لم يكن محمد يسمع عن عمل أو نشاط تطوعي في بلدته حتى يكون أول الحاضرين، وكان ممن شاركنا في تزيين الشوارع لرمضان، ومحافظا على الصلاة بالمسجد، ومحبا للجميع ومحبوبًا".
وعن حال عائلة الشهيد يقول ابن عمه: "العائلة تعيش وضعا صعبا، فمنذ أن خطفه المستوطنون كانت القلوب تكاد تنفطر من الخوف والقلق على مصيره، كما أن والده توجه منذ الخامسة والنصف فجرا لمركز الشرطة بالمسكوبية للتعرف على الجثة".
وما أن وصل نبأ تفحم جثمان محمد، حتى انهارت قوى الأم التي كان أملها المجبول بفطرة الأمومة يحاول أن يجد له مكانا في فسحة الحياة، وأن يعود لها محمدا واقفا على قدميه، لا محمولا على الأكتاف.
اثنان من الأخوة وثلاثة أخوات هم أشقاء محمد، باتوا في حال لا يمكن وصفها لما لحق بشقيقهم الأوسط، فنهاية حياته كانت أبشع من أن يتخيله عقل، أو يقوى على استيعابه قلب أم أنجبته ورأته يكبر أمامها 16 عاما.
واشتعلت بلدة شعفاط غضبا بعد نبأ حرق محمد بأيد مستوطنين، إذ دارت مواجهات عنيفة بين الشبان وقوات الاحتلال، أصيب خلالها ما يقرب من 80 مواطنا بالرصاص الحي والمطاطي وبحالات اختناق.