ربما اعتدنا على مشاهد البيع على مفترقات الطرق من أطفال لا تتجاوز أعمارهم (14 عاما)، لكن ما لم نعتد عليه هو مشاهدة طفلة لم تتجاوز تسعة أعوام تحمل كيساً على ظهرها وتتجول بين الزبائن في الاستراحات لتبيع ما بجعبتها من "الترمس والفول النابت".
وتتّبِعُ الطفلة قصيرة القامة، طريقة "الاستعطاف والترجي" لعلها تبيع كل ما تحمله على كتفها. "أمانة تشتري مني.. أمانة ترزقني"، كلمات تلازم فرح التي تقطن شمال قطاع غزة طوال فترة بيعها.
مراسل "الرسالة نت" حاول أن يعرف قصة الطفلة والدافع وراء بقائها حتى ساعات متأخر من الليل رغم صغر سنها فوجه إليها سؤالا: لماذا تبيعين هنا وفي هذا الوقت؟، فكان الرد سريعا وتلقائيا من الطفلة قائلة "عشان أجيب مصاري، وأصرف عأهلي".
ازدادت رغبة "الرسالة نت" في معرفة المزيد فقال لها: هل لك أخوة أكبر منك؟ فأجابت "نعم" دون ذكر مزيد من المعلومات عن ذلك، وعندما سألناها "هل يعملون؟ اكتفت بالصمت.
وبعد جولة الأسئلة، أصرت الطفلة على الجالسين الشراء منها ولو بشيكل واحد، فخضع الزبائن لرغبتها.
وأكملت جولتها بالذهاب إلى طاولة أخرى وزبائن جدد، متبعة ذات الأسلوب المذكور سلفا للحصول على "شيكل".
ظل مراسل "الرسالة نت" يراقب الفتاة عن بعد حتى تفاجأ برفضها اخذ ثلاثة شواكل من بعض الزبائن الذين الحت عليهم بالشراء من باب الاستعطاف، والاصرار على اعطاهم مما معها بثمن النقود.
ردة فعل كهذه من طفلة فلسطينية فقيرة محتاجة لا تنم إلا عن عزة نفس وعفة كبيرة رغم الحاجة والمعاناة، ما دفعنا لمحاولة معرفة سبب فعلها ذلك.
شاءت الأقدار أن تعود "فرح" ثانية إلى طاولتنا لتبيعنا مرة أخرى، فاستغلينا الفرصة للتعرف على حياتها أكثر، سألناها عما إذا كان والدها أو والدتها يعملان؟ وفجأة تغيرت ملامح الطفلة وأصبحت نظراتها أكثر حدة ثم غادرت المكان.
لعل "فرح" الحزينة تحمل في قلبها ما لا تستطيع الجبال أن تحمله، وربما أحد من أهلها أجبرها على هذا العمل ! فأجوبتها كانت قصيرة ناقصة وردود أفعالها وملامحها غريبة تدل باليقين القاطع عن لغز كبير يحيط بهذه الطفلة وحياتها.
وللتذكير –ليس أكثر- فإن المادة (26) لحقوق الطفل من القانون الإنساني تنص على أنه لكل طفل الحق في الانتفاع من الضمان الاجتماعي، كما أن هناك بعض المواد التي تنص على الحق في التعليم والحياة الكريمة.
هي قصة قصيرة لطفلة صغيرة ربما حال كثير من الأطفال مثلها، ولكن أكثر ما لفتنا فيها عفتها رغم حاجتها، وهذا ما يفتقده كثير من الناس في أيامنا هذه، والكبار قبل الصغار.