قائمة الموقع

مقال: البطن الرخو للمصالحة

2014-06-09T05:35:54+03:00
د. محمد خالد الأزعر
د. محمد خالد الأزعر

على خلاف التجارب السابقة لإنهاء الانقسام الفلسطيني، تبدو فرص اتفاق غزة أكثر إشراقاً.. ذلك بالنظر لوجود إرادة للتنفيذ لدى حركتي فتح وحماس؛ فرضتها محددات قوية يصعب عليهما تجاوزها دون أن تلحق بهما خسائر فادحة. فقد انعطف القطبان إلى بديل المصالحة في اللحظة التي وصل فيها نهجاهما، وموجزهما التفاوض بالنسبة لفتح والمقاومة المسلحة عند حماس، إلى طريقين مسدودين.

هذا علاوة على محدد داخلي بالغ التأثير، أثبت بعض الدراسات والاستطلاعات أن فتح وحماس تعانيان من تآكل في مصداقيتهما وشعبيتهما بسبب أدائهما المتدني في الحكم.. وأن الغضب الشعبي من هذا الأداء أدى إلى بروز مبادرات سياسية ومسلحة؛ تضطلع بها قوى تقع خارج سيطرة الحركتين؛ بما من شأنه تهديد نفوذهما معاً.

لكن هذه المؤشرات الإيجابية لا تنفي وجود مكامن للخطر وإمكانية الانتكاس. فالاتفاق جاء عاماً وفي خطوط عريضة، تاركاً لقوة الدفع الذاتي أن تفعل. فهو لا يطرح أية إجابة عن السؤال الخاص بتأثير التمايز الأيديولوجي بين حماس المنتمية للتيار الإسلامي وبين فتح وبقية تنظيمات التيارات "العلمانية"، إذ هل ستكتفي حماس بدور المراقب أو المعارض عن بعد لهذا التيار الأخير، المنخرط في عملية التسوية؟ وإيداع قضية التسوية للرئيس أبو مازن ومحازبيه تحت أطر منظمة التحرير؟

هذا جائز، ولكن من الجائز أكثر، انتقال الخلاف الأيديولوجي على آفاق التسوية ومفرداتها إلى رحاب المنظمة ذاتها، بعد إصلاحها واستيعابها لحماس وأخواتها.

وهنا، لا ضمانة لئلا يجدد التشاحن الأيديولوجي الانقسام داخل المنظمة على غرار ما جرى في إطار السلطة الوطنية.. من ناحية أخرى، موصولة بالخلافات الأيديولوجية السياسية المحتملة، هناك امتعاض الفصائل الوطنية الأخرى، كالجبهتين الشعبية والديمقراطية، بل ومنظمة التحرير ذاتها، من استبعادها أو إبعادها عن أجواء اتفاق غزة وتوابعه. ترى إلى أي حد يمكن لهذا الغضب أن يعيق أو لا يعيق سيرورة المصالحة؟!

هناك ملف الأمن بمستوييه الداخلي والخارجي. فداخلياً ثمة ألوف من الكوادر والعناصر المسلحة المنضوية تحت إمرة حماس. وهذا يثير السؤال عن حدود قدرة أطراف المصالحة على استيعاب هذا الكم المصحوب بالكيف المختلف نسبياً، ضمن القوام الأمني لحكومة السلطة، أما خارجياً، فمن المحتمل ظهور تناظر حول حدود العلاقة وإمكانية الدمج والتوافق بين جهازين للأمن، أحدهما يتبع رام الله وقد مارس طويلاً التنسيق مع (إسرائيل)، والآخر يتبع حماس وقد دأب على التعامل مع (إسرائيل) من منطلقات مختلفة كلياً. بكلام آخر، هل تفلح المصالحة في توحيد العقيدة الأمنية لهذين الجهازين؟

وهناك ملف المنتفعين مادياً أو سياسياً من زمن الانقسام وأحواله؛ الذين قد تراودهم فكرة إشاعة الفتن التي عاشوا عليها زمناً رغداً، وعلى رأسها "(إسرائيل) ذاتها، التي قد تمارس رذائلها لتقويض سيرورة المصالحة واستعادة روح الانقسام ومظاهره، وهنا ربما نشأ "تحالف خبيث" بين أصحاب هذه المداخلات وطائفة المنتفعين الداخليين، في سبيل هذه الاستعادة.

وهناك الخشية المشروعة من احتمال تعامل أطراف عملية المصالحة بعقلية المنتصر والمهزوم، وما يتأتى عنها من تخبئة لمخططات فئوية تجب في طريقها مفهوم المصلحة الوطنية العليا. فقد يقارب بعض الفتحاويين المصالحة وكأنها تسليم من حماس بخطأ توجهاتها، وأنها أذعنت أخيراً لشروط الآخرين. وعليه "تعود عقلية فتحنة المؤسسات وإدارة المعابر والأمن والسياسة.. أي عقلية الاستفراد بالسلطة والقرار".

وبالمنطق ذاته، ربما أضمر بعض الحمساويين الطأطأة المؤقتة أمام الرياح الإقليمية والدولية غير المواتية، التي أدخلتهم عنوة في بيت الطاعة السياسية. وبالتداعي، ليس على حماس سوى الانتفاض تارة أخرى في إطار أية معطيات مواتية قد تأتي بها هذه الرياح. القصد، أن الأفق مفتوح على تصدع المصالحة إذا ما جرى التعامل معها كخطوة تكتيكية وليست توجهاً استراتيجياً، بوصلته فلسطين وقضيتها الأم. ولذا لزم التنويه.

صحيفة البيان الإماراتية

 

اخبار ذات صلة