للمرة الأولى تقوى عضلات وجوهنا على الابتسام متفائلين من إمكانية توصل "حماس وفتح" لاتفاق مصالحة وتنفيذ ولو جزء مقنع مما اتفق عليه في "القاهرة والدوحة" .
اليوم لا تتحلى "إسرائيل" بمناعة الدهشة حين يتحدث كبارها وأولهم "نتنياهو" عن "المصالحة الفلسطينية" , إنهم يهددون بمزيد من العدوان وكثير من المضايقات .
القلق "الإسرائيلي" من رؤية المصالحة للنور لن يكون بالطبع سكونا فهناك كثير من الهراوات يلوحون بها منذ أعلن رئيس السلطة محمود عباس عن خيار "حلّ السلطة" ومن قبل الانضمام للمؤسسات الدولية.
قضبان السجن الباردة التي تطوّق الدفعة الرابعة من الأسرى حتى الآن حركت المياه الراكدة حين تمسكت به السلطة كاستحقاق متفق عليه وزادت "إسرائيل" من غيها في أسلوب الرفض والتحلل من التزاماتها .
السلطة أو حماس
هل يفعلها الفرقاء الفلسطينيون هذه المرة ويتفقون ؟! القرار له تبعات جمّة فعليهم تحمل عدوان الاحتلال الملون بدءًا من الدبلوماسي حتى القصف بالطائرات وربما تكرار نموذج الاغتيالات من جديد .
ويؤكد محمد مصلح الباحث في الشئون الإسرائيلية أن المصالحة استقبلها الرأي الرسمي "الإسرائيلي" بشكل متفاوت لكن أولهم كان "نتنياهو" رئيس حكومة الاحتلال الذي دعا السلطة للاختيار بين "حلّ السلطة أو التقارب مع حماس" .
التقارب الحالي مع حماس استقبل بإستهجان كبير والآن تحاول "إسرائيل" كما يرى الباحث مصلح توظيفه لصالحها على المستوى الأوروبي والأمريكي .
رأي ثاني كان للوزير الصهيوني "بينيت" جمع بين تقارب حماس والسلطة وخيار حل السلطة بشكل أساسي وهو أمر له تبعات كبيرة من قبل إسرائيل لكن المسألة في كل الأحوال تزيد من موقف "أمريكا وإسرائيل" تعقيدًا .
ويضيف الباحث مصلح: "هناك آراء أخرى في إسرائيل ترى الأمر مجرد مناورة سياسية من عباس لتحسين شروطه التفاوضية والضغط على إسرائيل حتى يتحقق مطلبه الأساسي في الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى وذلك تقزيم للموقف الفلسطيني الذي يربط المسألة بالدفعة الرابعة وتمديد المفاوضات فقط !".
الخطر يتعدى المرحلية بالنسبة لـ"إسرائيل" فهناك نواقيس تدق ملفات استراتيجية بالنسبة للاحتلال عبر التقارب الحالي بين "حماس وفتح" وأهمها ملفات الأمن وصورته العليا "التنسيق الأمني" .
ويلخّص د.ناجي البطة المختص في الشئون "الإسرائيلية"، الموقف الإسرائيلي الرسمي بما قاله نتنياهو "طريق واحدة لا ثاني لها .. أما المفاوضات مع إسرائيل وإما المصالحة أو حل السلطة أو المصالحة مع حماس" .
تصالح حماس مع فتح يشكل تهديدًا جوهريا للكيان الصهيوني واستراتيجيته منذ أقيم في المنطقة وقد قام وعمل كما يرى المختص البطة على سياسة "فرّق تسد" وتمزيق وتشتيت المجتمع الفلسطيني وتلك استراتيجية عمل صهيونية بامتياز.
ويضيف: "أحزاب اليمين بدءًا من الليكود-إسرائيل بيتنا-كافة أحزاب اليمين والصهيونية الدينية ضد المصالحة الفلسطينية ويهددون بوقف أسباب الحياة عن السلطة مثل قطع المال وتأليب المجتمع الدولي والكشف عن فساد مالي وإداري في مؤسسات السلطة للعلن" .
أبعاد واعتبارات
لسنوات تعنّتت "إسرائيل" حكومات متعاقبة رفضت منح السلطة الفلسطينية قسطاً مقنعاً من الانجازات أمام شعبها وفي الشهور القليلة الماضية التي ملّ كيري فيها زيارة المنطقة وصلت المفاوضات لطريق مسدود .
الأسرى الذين فجروا الجولة الأخيرة يضطرون للإضراب عن الطعام كسلاح وحيد أمام السجان والسلطة اليوم قد تشبههم الفعل حين حشرها الاحتلال في الزاوية فتهدد بحل نفسها أو تعيد النظر في استراتيجيات العمل من جديد .
ويرى الباحث مصلح أن التقارب بين "فتح وحماس" خلق تباين أمريكي بالنسبة للموقف "الإسرائيلي" فبعضهم قال إن الموقف جدي جدًا وسينعكس دوليا على "إسرائيل".
ويتابع: "قد تعود الضفة وغزة للاحتلال وهنا ممكن أن يقع قادة الاحتلال تحت الملاحقة الدولية بناءً على اتفاقية جنيف الرابعة بينما بدأت تظهر اعتبارات قانونية وأمنية أخرى".
لو استيقظنا غدًا على ابتسامات الطرفين أمام الكاميرات إعلانًا بتوقيع اتفاقية المصالحة فستكون المفاوضات بشكل مختلف لان المصالحة ستضفي بتغطية شعبية ووطنية على أي شكل تفاوضي.
عن ذلك يكمل مصلح: "هنا قد يتشكل ضغط سياسي عربي على الأنظمة في المنطقة لخلق مظلة وشبكة أمان ودعم مالي وسياسي، وإسرائيل تدرك جدية الموقف الفلسطيني وأنه تجاوز المناورة وأصبح صلب" .
أمريكا وأوروبا
الانحياز الأمريكي لإسرائيل كبير وواضح لكن ثمّة مصالح أمريكية يقدمها البيت الأبيض على التحالف والانحياز للدولة العبرية ألا وهي المصلحة الأمريكية في الشرق الأوسط الآخذة في التكيّف مع تغيرات الإقليم بشكل ناعم ومحسوب .
ويقول الباحث مصلح إن حل السلطة هو انهيار للجهود الأمريكية وهو تهديد مباشر للمصالح الأمريكية في المنطقة واليوم إذا تمت المصالحة ستكون مرحلة جديدة أمام أمريكا وحليفتها "إسرائيل" فحماس استراتيجيتها حماية المقاومة بشكل جديد والسلطة تريد إعادة سياسة المفاوضات.
أمريكا وأوروبا اللاعبان الأساسيان على الساحة الدولية والمؤثران عبر السياسة والمال في السلطة الفلسطينية ستمارس عليهما "إسرائيل" سلوكًا خاصًا حين تضع السلطة المتصالحة مع حماس في خانة الإرهاب.
ويقول المختص البطة إن "إسرائيل" ستؤلّب أمريكا وأوروبا على السلطة وستضع العراقيل أمام أي حكومة جديدة يتم تشكيلها وستهاجم من لا يتعاطى مع مشروعها الصهيوني.
ويردف: "يشبه السلوك المتوقع ما تمارسه أمريكا وأوروبا مع بوتين الرئيس الروسي فهم يختارون شخصيات مقربة منه ولا يختارونه هو للحديث، وهنا سيحاولون إيجاد بدائل لعباس ويدفعون باتجاه أشخاص يخدموهم وسيتبعون العقوبات المتدرجة مع السلطة كما فعلوا مع روسيا".
وتخشى "إسرائيل" من توقف التنسيق الأمني وذلك بالطبع يتعارض مع المصالحة وفق رؤية حماس وإبرام المصالحة حسب توقع المختص مصلح قد يدفع إسرائيل لسحب كافة امتيازات قادة السلطة وحرية الحركة.
ستعود "إسرائيل" لفرض إقامات جبرية قد تصل لصورة ما وقع مع الرئيس الراحل "ياسر عرفات" في المقاطعة وتحاول طرح مخطط احتلال محور "فيلادلفيا" بين مصر وغزة وتشدد الحصار مضافًا له معبر "كرم أبو سالم" وتصنع توترًا داخليًا في الضفة يؤرّق عباس .
ما يميز رئيس السلطة عباس عن الراحل عرفات أن خصومه لا يملكون أدلة صريحة يصفوه فيها بالإرهاب كما يرى المختص البطة فالراحل عرفات كانت "إسرائيل" تسجل كلماته وترسلها لإدارة بوش بينما عباس محنّك سياسيًا ولا يسجل على نفسه أي نقطة قد يستخدمونها في تهمة الإرهاب أمام الرأي العالمي والدولي
التمنيات الفلسطينية تتركز حاليًا على توقع الجديد الموجب في تفكيك العقد العالقة بين "فتح وحماس" منذ سنوات والاصطفاف بقناعة خلف الحقوق الوطنية الآخذة في الضياع بينما الاحتلال متوقع منه كل شيء ولا غريب في ذلك.