مُنحّيًا قبعته العسكرية جانبًا، جالسًا على كرسي على غير العادة، يستعد لإلقاء خطابه المرتقب أمام الشعب المصري. مشهد رآه الكل مساء الأربعاء 26 من مارس لعام 2014 لوزير الدفاع المصري الفريق أول عبد الفتاح السيسي.
بشعارات رنانة وأسلوب استعطافي للجماهير، وحتى قد تكون ذات الكلمات حرفيًا ألقى السيسي خطابه المرتقب، الذي يذكرنا بالخطاب الأخير للرئيس المخلوع حسني مبارك الذي ألقاه إبان ثورة 25 يناير عام 2011.
وكأن التاريخ يعيد نفسه مع الرجلين فالكلمات والشعارات ذاتها، حتى القناة التي ذاعت الخطاب المسجل لمبارك هي ذاتها التي ذاعته مسجلًا للسيسي، مع اختلاف بسيط بينهما، الأول ثار عليه الشعب فأعلن عدم نيته الترشح مجددا للرئاسة بعد حكم دام لأكثر من 30 عامًا، بينما الثاني "المُنقلِب" على الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي يعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية.
والمتأمل جيدًا في خطاب الرجلين سيشعر لوهلة أن من كتب الخطاب للأول هو نفسه الذي كتبه للثاني مع فارق الأحداث والزمان، وحتى المتابع جيدًا لمدة كل خطاب سيلاحظ مدى التقارب بينهما فكملة مبارك كانت 11 دقيقة بينما كلمة السيسي فكانت 15 دقيقة.
البطولات والوطن
بدأ كل واحد منهما بالحديث عن تضحياته وبطولاته من أجل الوطن وخدمة المواطنين.
السيسي افتتح كلمته بالبسملة ومخاطبة الشعب المصري، معلنا عزمه انهاء خدمته كقائد للقوات المسلحة ووزيرا للدفاع، مبينًا أنه يقف أمام جمهوره للمرة الأخيرة بزيه العسكري.
وتحدث عن قضاء عمره كله في خدمة الوطن والمواطنين، مؤكدًا أن هذه اللحظة مهمة في حياته، وأنه تشرف بلبس زيه العسكري للدفاع عن الوطن.
ولو عدنا بالذاكرة قليلًا لخطاب المخلوع مبارك، لوجدناه بدأ بالبسملة وتحدث عن الأوضاع الراهنة آنذاك، ثم قال: إنني رجل من أبناء القوات المسلحة وليس من طبعي خيانة الأمانة والتخلي عن المسئولية، قضيت ما يكفي من عمري في خدمة مصر وشعبها".
استعطاف
ثم انتقل الرجلان للحديث بكلمات رقيقة حساسة تميل إلى استعطاف الجمهور وكسب ودهم وحبهم، عن حب الوطن والدفاع عنه وحماية أمنه، ومنهم من أعلن نيته الترشح والآخر عدم نيته الترشح للانتخابات
وبالعودة إلى السيسي يكمل: "أنا وبكل تواضع أتقدم لكم معلنا اعتزامي الترشح لجمهورية مصر العربية(...)، تأييدكم سيمنحني هذا الشرف العظيم، أقف أمامكم مباشرة لأتحدث معكم حديثا من القلب كما تعودنا، وأنا سأتقدم بعد الاصرار الجماهيري الكبير على ترشحي للانتخابات".
في حين لو تذكرنا كلمات مبارك حينما قال: "أتوجه بحديثي اليوم مباشرة لأبناء الشعب في ريفه ومدنه، لم أكن يوما طالب سلطة أو جاه ويعرف الشعب الظروف العصيبة التي تحملت فيها المسئولية وما قدمته للوطن حرما وسلما".
ويضيف مبارك "بصرف النظر عن الظرف الراهن، فإنني وبكل صراحة لم أكن أنتوي الترشح لفترة رئاسية جديدة، لكنني الآن حريص كل الحرص على أن اختتم عملي من أجل الوطن بما يضمن تسليم أمانته ورايته بما يحفظ الشرعية ويحترم الدستور".
"المخلّصون"
ولم يكتفيا بذلك بل حاول كل منهما أن يظهر نفسه على أنه المُخَلّص للشعب المصري من آلامه ومعاناته على مدار السنين.
ويضيف السيسي: "بلدنا مصر تواجه تحديات كبيرة وضخمة سواء سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وبلدنا ضعيف، ملايين من الشباب يعانوا من البطالة، وهذا أمر غير مقبول، ملايين من الصريين يعانون من المرض ولا يجدوا علاجا مناسبا، أيضًا غير مقبول (...)، رغم كل الصعاب التي يمر بها الوطن أقف أمامكم بلا أي يأس وكلي أمل في المستقبل".
أما مبارك فقال عن ذلك "أتحدث لكم في أوقات صعبة، فالوطن يتعرض لأحداث عصيبة، وإن مسئوليتي الأولى الآن، هي استعادة أمن واستقرار الوطن لتحقيق الانتقال السلمي للسلطة في أجواء تحمي المصر والمصريين".
ونجد تشابه الكلمات والعبارات الكبير حتى عند الحديث عن التظاهرات الشعبية السلمية في مصر التي خرجت لتطالب بالشرعية والأمن، وهو ما أطلقا عليه "الإرهاب".
فعن ذلك تابع السيسي في خطابه: "نحن مهددون من الإرهابيين ومن أطراف تسعى لتدمير حياتنا، صحيح أن هذا آخر يوم في زيي العسكري لكني سأحارب لآخر يوم حتى أحمي أمن مصر".
مبارك بدوره تحدث عن ذلك مكملا خطابه: "تحولت التظاهرات من مظهر متحضر وراقي إلى مواجهات مؤسفة تحركها وتهمين عليها قوى سياسية هدفها التصعيد و"الإرهاب"، وهذه الأحداث تفرض علينا الاختيار ما بين الفوضى والاستقرار وتطرح أمامنا واقعا مصريا متغيرا يتعامل معه شعبنا وقواتنا المسلحة بأقصى درجات الحكمة".
وبعد الحديث قليلا عن بعض الأمور كالدستور وغيرها من القضايا التي تشغل الشارع المصري، ختم السيسي خطابه بـ"حفظ الله مصر وحفظ شعبها العظيم"، في حين لم تختلف خاتمة كلمة مبارك كثيرا فقال "حفظ الله هذا الوطن وشعبه".
وما شاهدناه في خطاب الرجلين يدعونا للتأمل ويدفعنا قليلاً نحو التنبؤ بما هو قادم لمصر "الشقيقة"، وطرح سؤال بانتظار اجابته وهو: هل يكون مصير السيسي مثل مبارك؟.