سيناريو قبول السلطة الفلسطينية الاعتراف بيهودية الدولة سيكون على "كرسي التحقيق" أو تحت تأثير "المخدّر" أما الخيار الثالث فلا أحد يتمنى حتى أن يتصوّره ! .
الاعتراف في المشهد الأول يكون قسراً بالعنف وفي الثاني بالقوة الناعمة أما الثالث فمعناه أن من يمثلنا خان القضية بامتياز وبصق على دماء آلاف الشهداء والجرحى وآلام المصابين والأسرى .
منذ شهور وهم يكررون مطلبهم الأساسي "الاعتراف بيهودية الدولة" وهم الذين اعتدنا على مكرهم السياسي فهل يمزجون الدين بالسياسة هذه المرة لنبتلع الطعم الذي قدموه لنا عشرات المرات .
بعد عشرات الجولات من البحث والنقاش استقر المشهد على عجز السلطة عن الاعتراف لأن فيه نهاية رئيسها محمود عباس مع بقاء الإصرار الصهيوني يتعزز يوماً بعد يوم ويربط كامل الأوراق بذات المطلب .
مطلب "يهودية الدولة" عتيق جداً وله أبعاد في الفكر اليهودي والصهيوني وقد مرّ العمل لإنفاذه بصمت خلال مراحل متعددة لكنهم ليسوا مثلنا يعملون بضوضاء ! واليوم يقتربون من جني الثمرة كما يعتقدون .
أمريكا المنزعجة من (إسرائيل) وأوروبا نصف المتحالفة لا تريدان إغضاب الدولة العبرية وفي ذات الوقت لا تستطيعان أن تدوسا تمثال الديمقراطية المتحضّرة وهما يزيدان الضغط على السلطة الفلسطينية.
كرسي التحقيق
لمن جرّب "كرسي التحقيق" تنحسر قدرة الصمود لدى الضحية بعد مرور الثواني الأولى المفعمة بالأكسجين حتى إذا نقص تدريجياً يبدأ الصراع الداخلي "أعترف أم أصمد" تلك قسمة متباينة بين أصحاب القدرات والعزيمة دون النظر للأجسام والعضلات المفتولة .
بعد طول ضغط "مالي وسياسي" أقعدوا السلطة الفلسطينية على كرسي التحقيق لاختبار صمودها وحقيقتها في مطلب يتحرك بين أطروحة "التاريخ والسياسة" .
يقول د. جمال عمرو الخبير في شئون القدس إن مطلب يهودية الدولة له بعد ديني تاريخي وجميع الروايات الدينية اليهودية الآن تجيّر لخدمة هذا الهدف، بينما كل مكونات الحكومة (الإسرائيلية) الآن تعيد طرح أن الدولة الأولى في فلسطين كانت يهودية وهي رواية المشروع الصهيوني الذي فضّل حشد اليهود في فلسطين بدل "أوغندا" .
ويضيف: "لم يجدوا ما يساندهم في حشد اليهود في فلسطين يومها حتى جعلوا يهودية الدولة مطلبهم الأساسي والآن مراكز البحث العالمية تعتمد الخارطة اليهودية فتتكلم باسم يهودا والسامرة وأورشليم واليمين المتطرف مؤخراً يصب في ذات الهدف" .
ويشير أن الخرائط الإنجيلية البروتستانتية تتفق مع الصهيونية في ذلك بل عدلت من روايتها حول نزول المسيح "المخلّص" لتواءما سوياً فقد قالوا قديماً إنه لن ينزل حتى يتم تطهير "جبل الهيكل" وهم اليوم اتفقوا على قولهم إنه سينزل حتى يطهّر "جبل الهيكل" .
ويؤكد أن كامل الحكومة (الإسرائيلية) بكافة مؤسساتها وعلاقاتها تستند للأساس الديني للسيطرة على جبل الهيكل وتطهيره من العرب المسلمين حتى يقيموا ما يسموه "دولة داوود أو دولة سليمان أو.." .
أما هاني البسوس الباحث في الشئون (الإسرائيلية) فيؤكد أن الاعتراف بيهودية الدولة يتوافق مع مبدأ إقامة الدولة التي أنشأت سنة 1948 وقد قامت على مطالبة الصهيونية إنشاء دولة يهودية كملجأ لليهود كافة.
ويضيف: "الآن اختلف الحال من ناحية المطلب والكينونة فمطلبهم هذا يضع عقبات أمام السلطة ويقتلع عرب48 ولا يسمح بعودة اللاجئين لتكون الدولة خالصة لليهود".
ويقول البسوس إن فكرة استيعاب فئات غير اليهود كانت قديماً مستوعبة لكنهم لم يتوقعوا أن يتزايد عدد الفلسطينيين في الداخل المحتل كثيراً ويهددوا الوجود اليهودي ديمغرافياً .
ويتابع: "الآن مرحلة ضغط وابتزاز تمارس على السلطة التي قد تنهار فلديها أزمة سياسية واقتصادية وأمنية وفيها يحاولوا انتزاع اعتراف كمن يأخذ اعتراف تحت التعذيب فهذا قانوناً باطل لان اعترافها يحمل أبعاداً سياسية تتعلق بفلسطين وخارجها وقبول عباس بالاعتراف يعني أنه يوقع على نهايته السياسية ! " .
العالم المنحاز !
الحقيقة العلمية تقول إن النحل العائد من رحلة الرحيق لا يسمح له بدخول الخلية إن علقت به قذارة وجزاؤه القتل من النحل المسئول عن النظافة , وهذه هي (إسرائيل) لا تسمح لمن يعاديها بالعودة للحياة السياسية بحرية بل تحاربه مسخّرة كامل آلاتها الإعلامية والاقتصادية والسياسية .
ويؤكد الخبير أبو عمرو أن (إسرائيل) والحركة الصهيونية تحشدان كامل المؤسسات الدينية لفكرة يهودية الدولة في "أمريكا واستراليا وكندا وبعض دول أوروبا" وإذا مثلت تلك الدول حقول الرحيق كما النحل فإن حراس الخلية يقتلون كل من علقت به "أدران الطريق" بمعنى "عاد بما لا يحبون من الرأي" إن اتضح المثال ! .
ويقول الخبير أبو عمرو إنهم يجمعون من أجل ذلك المال ويجندون أتباعهم في وسائل الإعلام وعلى شبكة الانترنت والآن حكومة (إسرائيل) تسوّق المشروع سياسياً وقد بدأ تسويقه الديني سنة 2009 منذ أعلنت القدس عاصمة للثقافة العربية.
ويضيف: "هم يعملون بصمت وبجرأة لإنفاذ يهودية الدولة ولو قال عباس لنتنياهو فلسطين دولة إسلامية لقامت الدنيا ! واليوم نشطاء الدبلوماسية والسفارات يتلقون تعليماتهم من ليبرمان، وكل من ينتقد يهودية الدولة يطالب فوراً بالاعتذار والأقرب لليهود في ذلك هو اليمين الصهيوني المسيحي المتطرف مثل بوش الأب والابن وكريستوفر وأقطاب البنتاغون شهود يهوا والماسونية وكلهم يدعم نتنياهو الآن في مطلبه" .
ويؤكد أن الخجل الأمريكي في دعم يهودية الدولة صراحة هو خشية انهيار تمثال الديمقراطية التي يحملها وخشية اندلاع مواجهة تتنادى باسم الإسلام بينما المرحلة الآن هي مرحلة عضّ الأصابع .
ويتابع: "الآن استلم زمام الحكم في (إسرائيل) حملة الفكرة الصهيونية بدءاً من رئيس الحكومة والخارجية حتى رئيس بلدية القدس فالهرم اكتمل ! والشعوب العربية قد تستيقظ الآن وهي تجد فلسطين والقدس ضاعت ما سيشكل غذاء للخطباء المسلمين يخاطبوا به شعوبهم أن هبّوا !! " .
أما خطورة المرحلة الحالية فتحمل في رؤية الباحث البسوس فشل محقق للمفاوضات والولوج إلى "مربع الجمود" مع بقاء التنسيق الأمني والعلاقات الاقتصادية لترسيخ الواقع .
ويضيف: "دول العالم تدرك أن الضغط على السلطة في مطلب يهودية الدولة غير قانوني فاعتراف السلطة بـ(إسرائيل) سنة 1993 كان على أساس انطلاق مفاوضات السلام وتحت ضغط لكن اليوم لا إلزام للسلطة كي تعترف بيهودية الدولة".
ويقسم الباحث البسوس دول العالم في هذه القضية إلى "قسم داعم لمطلب اليهودية" و"قسم صامت" وهو سلبي الموقف لأن الصمت مسألة غير أخلاقية في ذاتها".
قريباً سيتلى بيان فشل جولات "جون كيري" وسيتفقون على إجازة الربيع وبعد طول غياب سيحفزون طاقة أصدقاء (إسرائيل) للمواصلة بينما تفتش السلطة على ثقب صغير لاستنشاق الأكسجين!.