قائمة الموقع

الدولة التي يعرضها كيري

2014-02-03T16:24:15+02:00
وزير الخارجية الأميركي جون كيري
د. صالح النعامي

رغم شظايا المعلومات التي يسربها حتى الآن مسؤولون في السلطة والإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني حول ما تضمنته خطة كيري، فإن المرء يفاجأ عندما تتوالى التسريبات التي تكشف المزيد من البنود البائسة التي احتوتها هذه الخطة.

من الواضح أن الافصاح التدريجي عن بنود الخطة يهدف إلى تهيئة الرأي العام الفلسطيني لتجرع تصفية القضية الفلسطينية، بأبخس الأثمان.

إن نظرة متأنية تكشف بسرعة أن عملية التسريب تتم بشكل ممنهج يقوم على آليتين واضحتين، وهما: الكشف بالتقسيط عن تنازلات خطيرة مطالبة السلطة بتقديمها باسم الشعب الفلسطيني، وثانياً: تعمد إيراد صياغات فضفاضة للتغطية على تنازلات أكثر خطورة.

الاحتفاظ بكل المستوطنات

فقط نشير إلى ما كشفه مارتن إنديك، المبعوث الأمريكي لـ "العملية السلام"، خلال اجتماعه مع قادة المنظمات اليهودية عقد في واشنطن مؤخراً، لإطلاعهم على فحوى خطة كيري بهدف تجنيد دعمهم.

وحسب ما جاء على لسان إنديك، فإن الخطة تتضمن الإبقاء على جميع المستوطنات المقامة في الضفة الغربية، بحيث يتم ضم التجمعات الاستيطانية الكبرى،وهي أرئيل،غوش عتصيون،جبل الخليل، لـ(إسرائيل)، حيث أن هذه التجمعات تضم حوالي 80% من المستوطنين، وما تبقى من مستوطنات تبقى في مكانها بعد الإعلان عن الدولة الفلسطينية، لكن (إسرائيل) ستواصل الاحتفاظ بالصلاحيات الأمنية في هذه المستوطنات.

وضمن الأفكار التي نوقشت لضمان أمن المستوطنات التي ستبقى في ظل وجود الدولة الفلسطينية أن تقيم (إسرائيل) قواعد جديدة، وضمنها قواعد جوية للحفاظ على أمن المستوطنين. لكن ما لم تتم الإشارة إليه أن قبول هذا البند يعني بالضرورة تنازلا فلسطينيا عن مزيد من الأرض، حيث أن شبكة الطرق التي تخدم هذه المستوطنات النائية ستقتطع مساحات واسعة من الأرض.

إن الاحتفاظ بالمستوطنات يعني إبقاء الاحتلال على حوالي 15% من مساحة الضفة الغربية، بدون احتساب غور الأردن والقدس.

دولة بدون الغور

تنص الخطة على مواصلة (إسرائيل) الاحتفاظ بمنطقة غور الأردن وضمان إبقاء السيطرة على الحدود مع الأردن لفترة تتراوح بين 10-15 عاماً، بحيث أنه بعد انتهاء هذه الفترة، تقرر (إسرائيل) وحدها، ما إذا كان بالإمكان بالاعتماد على الأجهزة الأمنية الفلسطينية أم لا.

وفي حال قررت (إسرائيل) أنه لا يمكن الاعتماد على الجانب الفلسطيني، فإن البقاء (الإسرائيلي) يتواصل إلى أمد غير مسمى.

ومن نافلة القول أن الإبقاء على الوجود (الإسرائيلي) في غور الأردن يعني مواصلة الاحتفاظ بالمستوطنات المقامة هناك أيضاً، مع العلم أن منطقة غور الأردن تشكل 28% من مساحة الضفة.

"أبو ديس" العاصمة

إن أحد الأمثلة الصارخة على توظيف الصياغات الفضفاضة والعمومية بهدف إخفاء حجم التنازل المطلوب من الفلسطينيين، يتعلق بالبند المتعلق بمستقبل القدس. فحسب الخطة يتوجب أن تضم "القدس الكبرى" عاصمتين للدولة اليهودية وللدولة الفلسطينية.

قد تبدو هذه الصياغة بريئة، لكنها بالغة الخطورة، حيث أن القدس الكبرى لا تعني القدس الشرقية والغربية فقط، بل أيضاً كل المستوطنات والبلدات الفلسطينية المحيطة بالمدينة المقدسة.

إن خطورة هذه الصيغة الضبابية التي صيغت بشكل فضفاض تهدف إلى منح قيادة السلطة القدرة على الإعلان عن إحدى البلدات الفلسطينية المحيطة بالقدس، مثل أبو ديس، كعاصمة للدولة العتيدة.

إن هذه الصياغة تضمن منح نتنياهو الحق في عدم التراجع قيد أنملة عن مواقفه المتشددة من مستقبل القدس، وفي الوقت ذاته منح عباس المسوغ للإعلان عن عاصمة فلسطينية في "القدس الكبرى". مع العلم أن القدس الكبرى تشكل حوالي 13% من مساحة الضفة الغربية.

تعويض اللاجئين اليهود

إن أوضح مؤشر على التوظيف الخطير للاعتراف بـ(إسرائيل) كدولة يهودية  يتمثل في أن الأمريكيين يرون أن مجرد اعتراف الفلسطينيين بذلك، يعني بالضرورة تنازلهم عن حق العودة للاجئين، على اعتبار أن الاعتراف بيهودية (إسرائيل) يعني القبول بطابعها اليهودي بكل تجلياته، وعلى رأسها الطابع الديموغرافي.

ولما كان السماح بعودة اللاجئين للمناطق التي شردوا منها سيؤدي إلى قلب موازين القوى الديموغرافية، فإن الأمريكيين و(الإسرائيليين) يرون أن الاعتراف الفلسطيني بيهودية (إسرائيل) يعني تنازلهم عن حق العودة للاجئين، على اعتبار أنه يهدد الطابع اليهودي للكيان.

لكن مما لا شك فيه أن أخطر البنود التي تضمنتها خطة كيري، تلك المتعلقة بالتعويض.

فالخطة تتحدث عن تعويض اللاجئين الفلسطينيين، وفي الوقت ذاته تتحدث عن تعويض "اللاجئين اليهود"، وهم اليهود الذين هاجروا طواعية وبتشجيع صهيوني رسمي من الدول العربية.

إن خطوة هذا البند تكمن في المساواة بين أناس اقتلعوا من أرضهم باستخدام القوة والقتل والتدمير وبين يهود هاجروا طواعية من البلدان العربية للمشاركة في اغتصاب أرض فلسطين.

ولا حاجة للتذكير بما كشف عنه رئيس الكنيست الأسبق شلومو هليل، الذي اعترف أن الموساد أرسله في مطلع خمسينات القرن الماضي لتنفيذ تفجيرات في بيوت ومقاهي اليهود العراقيين لإجبارهم على الهجرة لـ(إسرائيل).

هذا ما حرص إنديك على تسريبه حتى الآن، ويمكن الافتراض أن هناك المزيد من البنود الأخرى التي تتطلب تنازلات فلسطينية أكثر قسوة.. ما يثير المرارة أنه على الرغم مما تتضمنه خطة كيري من تنازلات فلسطينية هائلة تعني أن الدولة الفلسطينية ستقام على 44% من مساحة الضفة، إلا أن معظم وزراء حكومة نتنياهو يرفضونها!.

اخبار ذات صلة