في منتصف السبعينات, طلب أرئيل شارون مني ترتيب لقاء له مع ياسر عرفات.
قبل هذا الطلب بأيام قليلة, اكتشفت بعض وسائل الاعلام الاسرائيلية أني كنت على اتصال منتظم مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية, والتي صُنفت في ذاك الوقت منظمة إرهابية.
أخبرتُ شارون أن جهات الاتصال في منظمة التحرير تتسائل عما يمكن أن يعرضه على الفلسطينيين. فأخبرني بنيته مساعدة الفلسطينيين على الإطاحة بالملكية الأردنية, لتحويل الأردن لدولة فلسطينية برئاسة عرفات.
سألته: "وماذا عن الضفة الغربية؟"
فأجاب: "لن يكون هناك صراع بين الأمتين –يقصد الفلسطينيين والاسرائيليين- حالما تتحول الأردن لدولة فلسطينية, وسيكون من السهل حل الأمور."
قام أصدقائي بعرض الطلب على عرفات. فضحك! ولم يفوت فرصة إخبار الملك حسين بما دار بيننا, الذي بدوره قام بتسريب القصة للصحافة الكويتية.
كانت خطة شارون ثورية آنذاك. فقد آمنت المؤسسة العسكرية الاسرائيلية بما سُمي بـ "الخَيَار الأردني". وترتب على هذا الأمر, تجاهل الفلسطينيين واعتبارهم أعداء خطيريين.
بعد خمس سنوات,عندما تناحر الفلسطينييون والأردنيون, قامت إسرائيل بمساعدة ’النظام الهاشمي’ بطلب من هنري كسنجر.
ففكرة تحويل الأردن لفلسطيين تنطلق من خلفية لغوية مجهولة وغامضة.
بدا شارون في ذاك الوقت منعزلاً سياسياً.
فقد غادر الجيش في العام 1973بعد إدراكه أنه لا فرصة أمامه ليكون رئيس أركان الجيش الإسرائيلي. قد يبدو هذا غريباً. فلطالما اعتُبِر شارون قائداً عسكرياً فذاً. على الرغم من ذلك, كانت علاقته بالكذب علاقة راسخة. فقد تحدث ديفيد بن غوريون في مذكراته عن ملازمة شارون للكذب.
ولهذا لم يقم مناحيم بيغن -الذي تقدم في انتخابات رئاسة الوزراء آنذاك- بتعيينه وزيراً للدفاع. في الحقيقة, لم يُبدِ بيغن ثقته تجاه شارون. بدا شارون بمظهر الجنرال الذي قد يُقدم على تنظيم انقلاب. فقد صرح وزير المالية الاسرائيلي حينها أن شارون "سيرسل دباباته لمحاصرة الكنيست" حال تعيينه رئيسا للأركان.
وعلى الرغم من ذلك, عندما قدّم إيزر وايزمان استقالته كوزير للدفاع, وجد بيغن نفسه مضطراً لتعيينه في هذا المنصب.
أخذ شارون الأمر على محمل الجد. فقد قام بالاجتماع بي عدة مرات. وكان لديه العديد من الأفكار الغريبة.
إحدى هذه الأفكار تمثلت بإخضاع إيران. فعند موت الخميني قال بأن السباق قد بدأ بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية لتحديد من سيصل للمسرح الإيراني أولاً.
الولايات المتحدة تقع في بقعة بعيدة جداً, ولكن إسرائيل تستطيع إنجاز العمل.
في الوقت نفسه, وقبل اندلاع حرب لبنان بتسعة أشهر, أفصح لي شارون عن مخطط غراند الذي يهدف لهندسة شرق أوسط جديد. سمح لي بنشر ما جاء فيه من معطيات, شريطة أن لا أنسب إليه المعلومات.
من حيث المبدأ, كان هذا المخطط هو ما سيعرضه على عرفات.
فقد كانت مهمة الجيش الإسرائيلي تقضي باجتياح لبنان, بهدف طرد الفلسطينيين لسوريا. ومن ثم دفع السوريين لاقتيادهم للأردن. هناك, كان مخططاً للفلسطينيين الاطاحة بالملك وبناء دولة فلسطيين.
أيضاً كان على الجيش الإسرائيلي طرد السوريين خارج لبنان, واختيار ضابط مسيحي لتعيينه حاكماً. هكذا قُدّر للبنان أن تصنع سلاما مع إسرائيل وأن تصبح دولة
كتبتُ في هذا الصدد كثيراً. ومن ثم اجتاح شارون لبنان بعد تسعة أشهر. انطلت أكاذيبه على بيغن وعلى الكابينيت.وكانت الحرب كارثيةً على المستوى العسكري والسياسي.
فقد أطلق شارون يد الكتائب المسيحية في صبرا وشاتيلا. هناك إرتُكبت أفظع مجزرة. ونتيجة لذلك تظاهر مئات آلاف الإسرائيليين الغاضبيين في (تل أبيب), وسُرح شارون من منصبه في وزارة الدفاع.
وفي خضم معركة بيروت, تقابلتُ أنا وعرفات. ومنذ ذاك الحين, لم أتبادل وشارون الكلمات, حتى التحية.
ذُكرت مناقب شارون عندما مات الأسبوع الماضي. فقد قارنته وزراة التربية والتعليم الاسرائيلية بموسى.
في الواقع كانت حياة شارون معقدة كتعقيد دولة (إسرائيل), وكان إرثه كارثياً.
ترجمة بتصرف: وليد الميدنة