لو كان من طبع الصهاينة توجيه الشكر لمن يسدي لهم معروفاً، لكان لزاماً على النخبة الصهيونية الحاكمة أن تتوجه بالشكر الجزيل لكل من طاغية مصر عبد الفتاح السيسي وطاغية سوريا بشار الأسد، فهما مسؤولان بشكل مباشر عن توفير مليارات الدولارات على الخزانة العامة للكيان الصهيوني.
ونظراً لتفكك الجيش السوري، وحالة الضعف العارم الذي تعتري الجيش المصري في أعقاب تدخله الفج في السياسة الداخلية، فقد اتخذت كل من القيادة السياسية وقيادة الجيش (الإسرائيلي) قراراً بتقليص موازنة الأمن، تقليص لم يقتصر على موازنة العام القادم، بل وحتى العام 2025. وتأتي هذه الخطوة نتاج ما وصف في (إسرائيل) بتراجع مخاطر نشوب حروب تقليدية مع الدول العربية في ظل حالة عدم الاستقرار التي تشهدها مصر وفي ظل تفكك الجيش السوري.
وقد تم ادخال تعديلات جوهرية على الخطة العشرية للجيش (الإسرائيلي)، حيث تقرر تقليص الاستثمار في قوات المشاة وسلاحي المدفعية والمدرعات، على اعتبار أن هذه الأسلحة من متطلبات الحرب التقليدية التي يمكن أن تخوضها (إسرائيل) ضد دول.
لكن في المقابل، فإنه تم ادخال تعديلات على الخطة تتضمن الأخذ بعين الاعتبار تعاظم مخاطر ما تطلق عليه المؤسسة الأمنية (الإسرائيلية) "الجماعات غير السلطوية "، وهي كل الحركات الإسلامية التي باتت تعمل في الكثير من دول المنطقة، لا سيما تلك التي شهدت ثورات، علاوة على الجماعات التي تشكلت بمبادرات مناطقية محدودة.
إمكانية الردع
وتنطلق المؤسسة الأمنية (الإسرائيلية) من افتراض مفاده إنه لا يمكن مراكمة الردع في مواجهة هذه الحركات عبر استغلال التفوق النوعي (الإسرائيلي)، لأن هذه الجماعات لا تدير دول ولا تتحمل بالتالي مسؤوليات عن إعالة ورعاية مصالح مواطنين، بالتالي لا يمكن لـ(إسرائيل) الضغط عليها عبر المس بهذه المصالح، خلال شن عمليات عسكرية، مثل استهداف البنى التحتية. وتشير المحافل (الإسرائيلية) إلى أن سلوك النظام السوري يمثل المثال الابرز على نجاح سياسة الردع، فابتداء من قصف المنشأة البحثية النووية أواخر عام 2006 وانتهاءً بالهجمات الأخيرة التي تعرض لها ميناء اللاذقية، لم يتحرك النظام للرد، ليس ذلك فقط، بل في كثير من الأحيان حاول النظام أن ينفي تعرضه لهجوم (إسرائيل).
وحسب المحافل (الإسرائيلية) فإن الخطة العشرية الجديدة تتضمن توفير حلول تسمح بتوفير أكبر قدر من التأثير على الجماعات غير السلطوية، في حال تفككت أنظمة الحكم العربية القائمة حالياً أو ضعفت لدرجة تسمح لهذه الجماعات بهامش تحرك كبير.
وتتضمن الخطة تكثيف توظيف التقنيات المتقدمة في الجهد الحربي والاستخباري وتعزيز إمكانيات سلاحي البحرية والجو وتخصيص المزيد من الموارد لتطوير الدفاعات الجوية، وتكريس الحرب الإلكترونية كمجال من المجالات الرئيسة للجهد الحربي (الإسرائيلي) في العقد القادم؛ علاوة على توفير أنظمة حماية للحدود، لا سيما مع كل من مصر وسوريا.
تؤكد الخطة على أن الاستثمار في بناء مركبات القوة العسكرية خلال العقد القادم يهدف إلى تأمين الجبهة الداخلية (الإسرائيلية)، سواء عبر تقليص فرص إصابتها بالصواريخ، حيث تفترض الخطة أن آليات العمل التي ستتبعها الجماعات الإسلامية ضد (إسرائيل) في المستقبل ستشمل بشكل رئيس إطلاق الصواريخ صوب التجمعات السكانية اليهودية في قلب الكيان الصهيوني، أو عبر تنفيذ عمليات تسلل عبر الحدود تهدف إلى تنفيذ عمليات عسكرية ضد الأهداف العسكرية والمدنية الصهيونية.
أهداف الخطة
وتفترض الخطة أن خطر إطلاق الصواريخ بكثافة على العمق (الإسرائيلي) قد يأتي كرد فعل على قيام (إسرائيل) بهجوم يستهدف المنشآت النووية الإيرانية، حيث تفترض (إسرائيل) أن حزب الله سيتولى بشكل رئيس مهمة الرد على أي هجوم (إسرائيلي) يستهدف البرنامج النووي الإيراني.
وفي الوقت ذاته تهدف الخطة الى تقصير أمد أية حرب أو حملة عسكرية في المستقبل، وعدم السماح بتحويلها إلى مستنقع يغرق فيه الجيش (الإسرائيلي).
إن مبدأ " الحرب الخاطفة "، هو أحد المبادئ الرئيسة للعقيدة الأمنية (الإسرائيلية)، لأن إطالة أمد الحرب يعني تقليص قدرة (إسرائيل) على مواصلة تقديم الخدمات لجمهورها؛ حيث إن 70% من الجهد الحربي يقع على عاتق قوات الاحتياط.
ومن نافلة القول أن تقصير أمد الحرب يعني تقليص الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تعطيل مرافق (إسرائيل) الانتاجية خلال الحروب.
وتشدد الخطة على ضرورة تحقيق الحسم العسكري السريع وتوفير صورة توثق النصر (الإسرائيلي). إن أحد أهم استنتاجات المؤسسة الأمنية (الإسرائيلية) من الحروب التي خاضتها في 2006 و2008 و2012 ضد حزب الله وحركة حماس تمثلت في إن جميع هذا الحروب انتهت بدون حسم، مما مس بقوة الردع (الإسرائيلية).
من هنا، فإن الخطة تشدد على ضرورة ليس فقط تحقيق الحسم العسكري في الحروب والحملات القادمة، بل أن يضمن الجيش (الإسرائيلي) في نهاية أية حرب أو حملة تقديم " صورة " توثق الانتصار (الإسرائيلي)، من أجل لسع الوعي الجمعي لـ"العدو".
وتنطلق (إسرائيل) في تبني الخطة الجديدة من حقيقة أنها باتت تمثل قوة عالمية في ثلاث مجالات حربية رئيسة، جميعها يقوم على توظيف التقنيات المتقدمة في الجهد الحربي، وهي: وسائط القتال غير المأهولة، لا سيما الطائرات بدون طيار، أنظمة النيران الدقيقة، وتوظيف الفضاء الإلكتروني في الأغراض العسكرية.