جيش السيسي "غول" يبتلع عمال الأنفاق

قوات من الجيش المصري (الأرشيف)
قوات من الجيش المصري (الأرشيف)

رفح - لمراسلنا

فرّ عبد الرحمن في العقد الثاني من العمر مطلع الشهر الماضي من فوهة نفق في الجانب المصري بعد أن فقد مبلغا من المال صادره الجيش المصري عندما داهم النفق المخصص لشحن الإسمنت إلى قطاع غزة.

وكان هذا الشاب الذي اشترط ألا يذكر اسم عائلته خشية الملاحقة الأمنية قد هرب عبر النفق قبل لحظات من وصول قوات من الجيش المصري الذي صادر شحنة الإسمنت وبزة عبد الرحمن التي كان داخلها عشرة آلاف شيقل يعتزم توزيعها على زملائه الذي يعملون في هذا النفق. 

وتفاقمت مخاطر القتل والاعتقال ضد مئات العمال الفلسطينيين الذين وجدوا في العمل في الأنفاق الأرضية السبيل الوحيد لمكافحة البطالة المتفاقمة في قطاع غزة جراء الحصار (الإسرائيلي) المفروض منذ صيف 2007.

ومنذ الانقلاب العسكري على الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي في الثالث من الشهر الماضي كثف الجيش المصري حملات تدمير الأنفاق الأرضية وملاحقة كل من يعمل في إدخال البضائع والسلع إلى قطاع غزة.  

ومنتصف الأسبوع الماضي اعتقل الجيش المصري اثنين من زملاء عبد الرحمن وهما من عائلة قشطة أثناء عملهما في إدخال الإسمنت في عين نفق من الجانب المصري، وتبذل العائلة الآن جهودا مضنية لمعرفة مصيرهما.

ولم يسقط ضحايا في الأنفاق بنيران الجيش المصري منذ الانقلاب لكن عمليات تدمير هائلة أصابت أعدادا كبيرة منها وفق ما ذكر مالكو أنفاق على جانبي الحدود.

وخلال العام الذي تولى خلاله مرسي رئاسة مصر كانت الإجراءات المستخدمة ضد عمال الأنفاق الفلسطينيين رخوة حتى عند توقيفهم كان سراحهم يطلق مقابل غرامات ورشى للمسؤولين الأمنيين المصريين.

ويقول أحد المطلعين على قضايا اعتقال العمال في الجانب المصري إن ظاهرة اعتقال العمال كانت تجارة في الماضي من القيادات الأمنية المصرية "لكنها تحولت بعد الانقلاب العسكري إلى رحلة عذاب".

ويقول عبد الرحمن وهو يتصبب عرقا بعد خروجه من النفق: "الحمد لله مرت الليلة دون مخاطر.. تمكنا من إدخال خمسين طنا رغم الاشتباكات حولنا".

ويضيف موضحا كيف نجا من قبضة الجيش: "داهم الجيش في اليوم التالي للانقلاب مكان النفق الذي نعمل فيه وصادر حوالي مئتي طن إسمنت وبزتي التي تركتها خلفي وأنا هارب".

وردد بحرقة قائلا: "حسبنا الله ونعم الوكيل.. لقد صادروا أجرة أسبوع عمل لاثنين وعشرين عاملا ودمروا عين النفق، ولكن بحمد الله استطعنا بناء عين جديدة وهذا هو اليوم الثالث الذي نعمل فيه".

وتكيف مالكو الأنفاق والعمال مع الحملات الأمنية للجيش المصري لكن عملهم محفوف بالمخاطر وهم يواصلون ذلك في ظل فقدان بديل لإمداد غزة باحتياجاتها في ظل استمرار الحصار (الإسرائيلي). 

ويقول عمال التقتهم "الرسالة" خلال اليومين الماضيين إن عملهم ينشط في الليل لأنهم باتوا يخشون على أرواحهم من الجيش المصري أكثر من الانهيارات الأرضية المميتة.

ونشر الجيش المصري المئات من قوات النخبة المعروفة بـ"777" و"999" في سيناء وهي من تتولى مداهمة الأنفاق ومكافحة عمليات إدخال البضائع إلى غزة.

وقال سكان مصريون إن تلك القوات تنفذ عمليات تمشيط ليلية في مناطق مختلفة على طول الشريط الحدود وتصادر مواد الصناعة والبناء والمحروقات. 

رئيس بلدية رفح صبحي أبو رضوان عبر عن أسفه لما يجري في مصر من عمليات قتل وقمع للثائرين ضد الانقلاب العسكري، واعتبر التضييق المفروض على قطاع غزة نتيجة مباشرة لعودة أركان نظام المخلوع حسني مبارك.

وقال في مقابلة من مكتبة المطلع على الحدود مع مصر لـ"الرسالة نت": "هناك تراجع كبير في عمل الأنفاق لكنها تعمل بالحد الأدنى وهذا يهدد حركة الإعمار وعمليات الصناعة في المنظور القريب". 

وفي ساعات الليل فإن حركة الشاحنات تنشط قرب الحدود في الجانب الفلسطيني مثلما تشد حدة الاشتباكات في الجانب المصري بين مسلحين مجهولين والجيش المصري.

وقال السائق محمد محمود (26 عاما): "أصبح عملنا بلا طعم مع تراجع المقابل المادي وتزايد المخاطر الأمنية".

وأضاف مفسرا جملته من داخل شاحنة عملاقة: "اليوم يقتصر العمل على نقل شحنة واحدة من الحصمة خلال الليل.. لكن في السابق كنت أنقل أربع أو خمس شاحنات خلال النهار".

وأشار إلى أن طلقا ناريا أصاب واجهت شاحنته قبل أيام عندما كان يستعد لنقل شحنة من الحصمة، وظل يردد: "لقمة العيش مرة في هذا الزمن!". 

وقتل أصيب وفي الأنفاق الأرضية المئات خلال الأعوام السبعة الماضية لكن الفلسطينيين لا يزالون يعتمدون عليها مع فقدان أي بديل.

وتتوافر في أسواق غزة مواد الصناعة والبناء القادمة عبر الأنفاق لكن أسعارها زادت بنسب تتراوح ما بين 5 إلى 10%.

ويرى المعلق الاقتصادي معين رجب أن استمرار الوضع الحالي من شأنه أن يزيد أوجاع الاقتصادي الفلسطيني في غزة الذي اعتمد على مصر في كل شيء خلال سنوات الحصار.

وقال في اتصال هاتفي لـ"الرسالة نت": "إذا استمرت تلك الإجراءات وأغلقت الأنفاق فإن الاقتصادي الغزي الناشئ يمكن أن يحتضر ويموت". 

وكان نظام مبارك يريد أن يغلق الأنفاق الأرضي بمختلف الوسائل بدءًا من تفجير القنوات الأرضية وإلقاء القنابل السامة داخلها وصولا إلى الجدار الفولاذي الذي زرعه على أجزاء واسعة من الحدود.

ويقول مالكو أنفاق إن حملات الجيش المتبعة في هذه الأثناء مدمرة، "ورغم ذلك لدينا القدرة على الالتفاف عليها بزيادة التحصينات وإعادة البناء من جديد".

واكتفى عبد الرحمن الذي يأمل في أن يعوض خسارة ما فقده من مال بالقول: "نؤمن بقضاء الله وقدره لكننا نخشى غولا اسمه جيش السيسي"؛ في إشارة إلى وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي.