قائمة الموقع

بين مرسي ونجيب.. "البسطار" أولًا !

2013-07-16T09:22:06+03:00
وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي ومجموعة من قيادات الجيش (الأرشيف)
غزة - محمد بلّور

مرة أخرى تعود البزّات المرقّطة والياقات العسكرية المنشّاة لتحكم في مصر، فتنبعث رائحة السلطة من رتبهم التي أقعدتهم على الكرسي انتزاعا لا انتخابا، ويعيث "البسطار" خرابا في أروقة المؤسسات الديمقراطية.

ترى، هل تستجيب بقية المحافظات المصرية كـ"أحجار الدومينو" إن مال أولها لما جرى في القاهرة فتلج إلى مربع الاضطراب أم تبقى العاصمة وحدها أمّ المسيرات وشاهدة التغيرات؟!.

"الباشا" و"الأفندي" و"سعادة الضابط".. كيف يندفعون إلى أداء الواجب: هل من قيادة القوات المسلحة الحريصة على المصلحة العامة حتى لو انقلبت على رئيسها، أم من غرف "بحوث العمليات" في العواصم المجاورة التي تعد بالمال ومكافآت الانقلاب؟.

بين الرئيسين المنقلب عليه محمد مرسي 2013 ومحمد نجيب المستقيل قسرا 1954 نقاط اتفاق كثيرة، فالاثنان حظيا بثقة الشعب المصري وعزلا عن الحكم بيد العسكر، وبين السطور كلمات كثيرة.

وكان المجلس العسكري بقيادة السيسي قد عزل الرئيس مرسي شهر تموز/يوليو الجاري في حادثة تعيد ذكرى عزل محمد نجيب الرئيس الفعلي للثورة سنة 1954 بقرار عسكري أيضا.

انقلاب الجيش

إنهم يحاولون تكرار مشاهد التعذيب العتيقة في السجون: "الحربي-طرّة-القلعة-القناطر-أبو زعبل وأخواتها".. تلك ذكريات "البوابة السوداء" لمن قرأها، و"أيام من حياتي" بتهم جديدة الآن.

ثوب جديد سيلبسونه للإخوان هذه المرة، فالضحية نالت ثقة الشعب في صندوق الانتخابات لا في الشُعب الإخوانية وحدها! وقد فاز التنظيم المحظور لعشرات السنين في ديمقراطية الوطن.

ومع ولوج رمضان إلى المشهد المصري "تقرقر" المعدة المصرية جوعا ويغلي الشارع المصري امتعاضا من حالة الزعزعة التي ستخطف رغيف "العيش" من الفم مع مدفع الإفطار.

ويقول الباحث في الشؤون الأمنية محمود العجرمي إن المشهد المضطرب في مصر الآن هو نتيجة الانقلاب العسكري الذي انتهك شرعية الدستور متجاوزا إرادة الشعب المصري.

ويضيف: "كلنا نعلم أن مصر مرت بنفق مظلم على مدى 60 سنة من الحكم العسكري وحكم الحزب الواحد وتزاوج الثروة والسلطة، فتحولت إلى ملحق عسكري وسياسي لأمريكا وحافظ إستراتيجي لأمن الاحتلال كما أكد شاؤول موفاز بعد اندلاع ثورة 25 يناير 2011".

أما المحلل السياسي د. عبد الستار قاسم فيقول إن الأنظمة العربية كلها لا تستطيع العمل خارج العقلية القبلية المدمرة التي تقود نحو الصراع الدموي والتخلّف، "وتعطي أهمية للصراعات الداخلية أكثر من التحديات الخارجية".

ويضيف: "وقعت مصر قبل الانقلاب في خطأ أولا هو الانفراد بالحكم بعد الفوز في الانتخابات، والأمر الثاني أننا -العرب- لا نقبل نتائج الانتخابات فإما الفوز أو الخراب! وقد حصل ذلك في دول عربية كثيرة مثل الجزائر وفلسطين وجزئيا في تونس والعراق وحتى إنه وصل مجالس الطلبة والنقابات".

ولفت قاسم إلى أن التمنع عن الإقرار بأحقية الفائزين يتلوه دائما تشكيل الطرف المناقض جسما موازيا للتحريك، مؤكدا أن مصر تعاني،" فمن انقلبوا لا يهمهم الاشتراكية أو الرأسمالية أو غيرها بل ينطلقون من المنهجية القبلية التي تتحدث بلغات مختلفة".

احتجاج الشارع

من المؤسف القول إن الرائحة العطنة المنبعثة من "بسطار" العسكر تفوح في أعلى مستويات اتخاذ القرار فلا تترك مجالا لأحد كي يمارس الديمقراطية أو السياسة المدنية بعيدا عن قوة السلاح.

ويقول المحلل الأمني محمود العجرمي إن تشكل المشهد في مصر يعتمد الآن على صلابة موقف الملايين المحتشدة في الميادين العامة، "فذلك يؤثر مباشرة على مستقبل مصر والمنطقة من حولها إقليميا وإسلاميا خاصة في فلسطين وفي مقدمتها غزة".

أما المحلل قاسم فيؤكد أن مصر مقدمة على مزيد من التوتر، مبديا خشيته من صراع دموي بعد ما جرى من انقلاب عسكري ونزول الجماهير إلى الشارع.

ويضيف: "الإخوان المسلمون سيواصلون احتجاجهم لكن طبيعتهم الهادئة والدعوية ليست صدامية فهم يميلون إلى المهادنة لذا أعتقد أنهم سيتراجعون (...) هم يعتقدون أن ذلك نقطة قوة لكنه انعكس سلبيا عليهم في الجزائر وسوريا فلم ينجحوا في تثبيت حكمهم إلا في غزة".

أما المحلل العجرمي فيرى أن الحركات الإسلامية أدمنت المعارضة والصمود داخل الزنازين في حين أنها لم تتقن التصرف خارج القضبان ومواجهة الألاعيب السياسية.

ويصف ما جرى في مصر مؤخرا بأنه نموذج للعجز عن التحرك في الوقت المناسب أو اتخاذ إجراءات مباشرة مثل تأسيس محكمة ثورية بعد فوز مرسي في الانتخابات لمحاكمة من تورّط في جرائم ضد الشعب.

وكان قاسم يتوقع مغادرة مرسي الحكم بصورة مماثلة لما وصف به الأخير من جهة قلة الخبرة، "فهو لم يمارس الحنكة السياسية والإدارية في التعامل مع مجتمع واسع فيه الفاسد والاشتراكي والرأسمالي والملحد والكافر وغيرهم"، على حد قوله.

ولا يزال أنصار الرئيس مرسي يحتشدون بالملايين في الميادين العامة منذ الانقلاب عليه في حين يخطط معارضوه للحشد بأعداد ضخمة لمواجهة صمود الإخوان في الشارع، فهل تعكس المليونيات التي خرجت ضد الرئيس المنقلب عليه "مرسي" نبض الشارع الجائع للخبز والمسكن والحرية والكرامة أم إنها كانت خيانة بـ"ربطة عنق" أنيقة؟.. أم لعل سبب ذلك إخفاق الإخوان في إدارة البلد؟.

العقيدة الأمنية

يقول المثل الإنجليزي: "من رابع المستحيلات أن تعلم كلبا عجوزا حيلة جديدة"، وعلى النسق نفسه تسير الانقلابات العسكرية حين يقبض كبار الضباط الثمن: حيلة قديمة ذريعتها إرادة الجماهير ومصلحة الوطن!.

ويرى المحلل العجرمي أن الجيش المصري جيش وطني، "لكن التحولات العميقة التي جرت على عقيدته منذ سنة 1978 واتفاقية "كامب ديفيد" واتفاقية السلام 79 أثرت عليه سلبيا".

ويضيف: "أحدثت تلك الاتفاقات تحولات عميقة في الجيش الذي تحول إلى أداة للدفاع عن النظام وليس الوطن، فمثلا عدد أفراد أمن الدولة كان أكثر من مليون في حين أن عدد أفراد الجيش 400 ألف فقط".

ويشير العجرمي إلى أن الرئيس مرسي لم يتحل بالرؤية النافذة "ولم يجر تغييرات جوهرية في وزارة الداخلية والجيش والقضاء تسمح له بإحكام قبضته".

ويتابع: "الجيش منذ زمن تحول إلى جيش بيزنس، وتحالف مع معارضيه، وهذا لم يحدث في العالم (...) لقد انقلب السيسي الذي رقاه مرسي من لواء لفريق عليه".

أما المحلل قاسم فيؤكد أن الجيش وكل الأجهزة الأمنية في مصر دخلت في مؤامرة، "لأن مهمتها الطبيعية الحفاظ على أمن الوطن والمواطن لا الانقلاب على طرف ضد طرف".

ويتابع: "لا يوجد لتلك الأجهزة أي عقيدة أمنية، فمبارك لم يعلمهم الالتزام أو العقائد التي يجب أن تحترم، فمن عنده عقيدة لا يفعل ذلك مطلقا".

الجغرافيا السياسية

الورود الذابلة والشباب البالي يُؤسف على مغادرتهما أكثر مما يُحزن على ذكرياتهما، وفي مصر الجديدة لم تكن الوصفة تعويذة اللعنة ولا مصادفة القدر بل خطة صفراء مع سبق الإصرار والترصّد.

الذنب الذي اقترفه الرئيس محمد نجيب هو نفسه الذي اقترفه الرئيس محمد مرسي، فالتهمة واحدة ألا وهي حقهم في الحكم بتفويض شعبي نزيه!.

وليست وحدها الجغرافيا السياسية تتحدث في مصر بل التاريخ يعيد نفسه منذ رسم أصدقاء الملك فاروق خريطة الطريق الجديدة لمصر المحروسة.

ويشير المحلل العجرمي إلى أن المحافظات الجنوبية مثل أسوان والصعيد وجنوب وشمال سيناء ومرسي مطروح غربا وقنا والفيوم وأسيوط قد تشهد حراكا واسعا وعميقا.

ويوضح أن محافظة قنا مثلا منحت مرسي 5 ملايين من الأصوات في حين انتخبته الأغلبية في سيناء، "ما يعني أن الاحتجاجات قد تتصاعد فيهما".

ويتابع: "القاهرة ستتسع فيها حركة الاحتجاجات المعارضة إلى جانب حركات مثل مصر القوية و6 أبريل وحزب النور التي بدأت تحتج، فالمواطن العادي يشعر أول مرة أن له رئيس يمثله بصدق".

أما المحلل قاسم فيقول إن الأحياء الفقيرة هي الأهم في جغرافيا مصر السياسية في ظل التطورات المتلاحقة في الشارع المصري، "فهي الأكثر تضررا".

ويضيف: "في القاهرة أحياء فقيرة جدا تتضرر أكثر من غيرها بالاضطرابات وتتصدع اقتصاديا، فهي التي ستشهد حراكًا كبيرا، أما سيناء فبما أنها أقل من حيث عدد السكان فستشهد عمليات عسكرية يسهل تطويقها ومحاصرتها".

ويتوقع قاسم أن تتناغم الإسكندرية مع التطورات والاضطرابات، "في حين ستشكل منطقة الصعيد مثل الأقصر والمنيا مصدر قلق لأنها ترتبط بالسياحة".

ويبدو أن مصر مقدمة على مزيد من التوتر والاضطراب، فالانقلاب مستمر والإخوان ظهرهم للجدار ولا يملكون إلا مواصلة الاحتجاج، والملايين الموعودة لم تصل بعد!.

اخبار ذات صلة