استوطن السواد روحه بعد رحيل طارق، ولم تصله سوى كلمات انتفض بها وجع السجين، فأمسك بمذياع رمادي اللون كجدران المعتقل باهت المعالم لعله يستمع إلى خبر ينفي وفاة ابنه ظهر الإثنين جراء اصطدام شاحنة بحافلة كانت تقله وأبناء الاسرى شرق مخيم جباليا.
المحطة الأولى كانت تصدح بكلمات نشيد لا يليق إلا بمن اتخذهم الله شهداء، فوصلت حسرة أم الشهيد محمد الأزرق (27 عاما) إليه بعد علمه أنه استشهد متأثرًا بإصابة في رأسه وظل يعاني طوال السنوات الثلاثة الماضية منها.
حرك مؤشر المذياع بعد أن أبكته "زفوا الشهيد وخلو الزفة عالسنة" ليجد بصيص الأمل الذي سيجمعه وطارق، ولكن خبر استهداف مراكب الصيادين في بحر خانيونس وإطلاق زوارق الاحتلال صباح الإثنين نيران رشاشاتها الثقيلة صوبهم كان أبرز ما ختمت به إذاعة محلية موجز الظهيرة.
انفطر فؤاده مجددا لسماعه أنباء الشجارات الداخلية في جنوب الوطن ابتداء بوفاة رائد جندية (36 عاما) ابن سرايا القدس الجناح المسلح لحركة الجهاد الإسلامي بعد اشتباك مسلح مع عناصر من الشرطة في غزة، وليس انتهاء بمقتل محمد زياد مهدي البالغ من العمر -20 عاما- جراء تعرضه لطلق ناري في الصدر أثناء شجار عائلي في منطقة الشاطئ غرب مدينة غزة إضافة إلى الطفل أنس طموس 4 سنوات.
ذرف الدموع ألما وخوفا على وطن ضحى من أجل وحدته، فردد وزملاءه الأسرى نشيدهم المحبب: "شفت الغوالي يا يمه بساحة الجهاد.. هادا جيشك فلسطين وايدوا على الزنادِ".
أخفض صوت المذياع حتى كاد صوت المذيع يتلاشى، ثم تقوقع في زاوية الزنزانة يناجي طيف طارق: "اصمد يابا.. اصمد ع الجرح وما ترحل كلها كم من سنة وراح أحضنك".
مناجاته صغيره أنهاها الخبر العاجل الذي أفاد بانتحار طالبة في الثانوية العامة (التوجيهي) بعد أن ألقت نفسها من الطابق الرابع من منزلها في حي تل الزعتر شمال قطاع غزة، وتلاه خبر وفاة الشاب يوسف نصار -32 سنة- متأثرًا بجراحه التي أصيب بها بعد أن أحرق نفسه في حي الشجاعية في مدينة غزة لخلاف نشب بينه وأسرته.
رفع كفيه إلى السماء متضرعا إلى الله: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
وبعد جملة التفاصيل المؤلمة التي عاشها قطاع غزة تذكر الأسير نصيحة كانت تشد عزيمته داخل أسوار المعتقل: (الحياة لا تؤلمنا عبثا.. تؤلمنا لنكبر.. لنتعلّم.. لتعلمنا أبجديّاتها).
وقبل أن يفرغ المذياع من شحنه بعد جولة إخبارية مؤلمة من القطاع جاء الخبر اليقين: "وفاة ابن الأسير أحمد السكني الطفل طارق السكني -11 عاما- وإصابة 25 آخرين بإصابات حرجة إثر حادث سير مروع نتج عن اصطدام حافلة تقل أطفالا من أبناء الأسرى كانوا في رحلة ترفيهية بشاحنة شمال قطاع غزة".
الأسير أحمد وقع مغشيا عليه بعد أن ردد قلبه المؤمن بقضاء الله وقدره: "إِنَّا للَّهِ وَإِنَّا إِليهِ رَاجِعُونَ.. اللَّهمَّ أجرني في مُصِيبَتي وَاخْلُف لي خَيْرا مِنْهَا".
وفي الصباح ردد المذيع: "عادت الشمس لتشرق في موعدها على الوطن.. الأمل يأتي ويذهب ولكن الوطن لن يودعه يوما".