ستة عشر عاما كان عمر مصطفى السخل حين اعتقله الاحتلال من منزله الذي تم تفجيره في مدينة نابلس، فهو لم يستطع أن يتحمل مشاهد القتل التي حلت بمدينته عقب الاجتياح عام 2002 حين عمل متطوعا في صفوف الطواقم الطبية؛ فقرر أن يفجر نفسه استشهاديا في أجساد المستوطنين والجنود ولكنه اعتُقل وحكم عليه بالسجن لأكثر من 11 عاما.
ومرت العائلة الصابرة باختبارات قهر كثيرة، فابنها نائل اعتقل عام 2003 وحكم عليه بالسجن المؤبد 11 مرة حتى من الله عليه بالفرج في صفقة وفاء الأحرار إلى قطاع غزة. وأمام كل ذلك كان الوالد سعدي (62 عاما) يتذوق المر على أبنائه الذين صدفت إحدى السنوات أن يكون أربعة منهم في الأسر.
وزيادة
وجاء دور سلطة أوسلو أن تمعن في تعذيب العائلة بدلا من تكريمها لصبرها على ممارسات الاحتلال، فبقيت أجهزتها المعاونة له تختطف مصعب النجل الآخر للحاج سعدي.
ويقول مصعب لـ"الرسالة نت" إن أجهزة السلطة اختطفته أكثر من عشرين مرة واستدعته لمقابلة ضباطها مرات عديدة، وأن عائلته تعذبت كثيرا بسبب تكرار اعتقاله والإبقاء عليه محتجزا دون أي تهمة.
وذكر أنه كان يتواجد ظهر السبت في محله التجاري مع والده في شارع رفيديا بالمدينة، فتفاجأ بقوة من أجهزة السلطة تداهم المحل وتحاول اعتقاله، لكنه رفض الذهاب معهم وسط صرخات ومشادات كلامية، وفجأة أطلق العناصر المشكوك في انتمائهم النار في الهواء؛ لإخافته ووالده واعتقلوهما ونقلوهما إلى سجن الجنيد.
ويضيف: "هناك أدخلوني إلى الزنازين ولم أعلم أين أبي، ولكن فجأة جاء لي أحد الضباط وأعطاني بطاقة الهوية الخاصة بي وقال لي عد إلى المنزل ليس عليك أي تهمة، وهنا استغربت هذا التصرف كون السلطة لا تقوم بإطلاق سراح أي شخص فورا دون التحقيق معه أو على الأقل إبقاءه ليلة واحدة خاصة مع كل الهمجية التي تمت في اعتقالي.. عدت إلى منزلي وهناك كانت المصيبة".
ويروي مصعب كيف وصل إلى منزله ليرى المواطنين يتجمعون حوله والصراخ يملأ أجواءه، فإذا به يعلم من المتواجدين بان والده توفي أثناء تواجده في سجن المخابرات، مبينا بأن السلطة أرسلت جثمان الوالد إلى المستشفى وأخبرت الأطباء بأنها وجدت هذه الجثة في الشارع لشخص مجهول الهوية مع العلم أن هويته محجوزة لديها.
وبلغت الوقاحة هذا الحد، أن يقتلوا مسنا كم عانى من التنكيل والقسوة باعتقال أبنائه، وحين لم يحتمل مشهد اختطاف نجله حاول الدفاع عنه فاختطف هو الآخر واعتدي عليه وتوفي مقهورا يشكو ظلم الظالمين.
ويؤكد مصعب بأن العائلة لن تقبل إلا بالثأر ممن قتل والده "لأنهم عملاء للاحتلال ولا يملكون أدنى حس وطني.. أما فتح التي تبنت مشروع محاربة شعبها فلبست قناع الكذب مرة جديدة ونعت الشهيد عبر مكبرات الصوت في المساجد لتطبق المثل القائل (قتل القتيل ومشى في جنازته)"، وفق قوله.
نيابة عن الاحتلال
ليس غريبا كل ما تقوم به أجهزة نذرت نفسها لخدمة أمن الاحتلال، فمن يبحث عن مطلقي النار صوب الآليات العسكرية والمستوطنين ومن يعتقل كل مقاوم ومن يعاقب ملقي الحجارة ليس غريبا عليه أن يقتل مسنا والدا لأسرى.
ويقول النائب عن كتلة حماس البرلمانية محمد أبو جحيشة لـ"الرسالة نت" إن السلطة باتت تعمل نيابة عن الاحتلال وبتنسيقها الأمني تضر الشعب كثيرا، فهي لا تدرك أن اعتقالاتها السياسية تخدم المحتل وتصب في خانة خيانة الشعب والضرر به.
ويوضح النائب بأن مشهد وفاة الحاج السخل في مقر المخابرات محزن للغاية وسط الحديث عن إمكانية عقد لقاءات لاستئناف المصالحة، مبينا بأن السلطة لا تريد أي مصالحة في ظل استمرار انتهاكاتها لأهالي الضفة المحتلة واستمرار نهج الاعتقال السياسي الذي بات مستهجنا.
ويضيف: "السلطة إذا ظنت أنها تفعل كل ذلك من أجل الوصول إلى معادلة سلام وتسوية مع الاحتلال فهي خاطئة وتجري وراء سراب، ويبدو أنها غير جادة أبدا في ملف المصالحة مع استمرار اختطاف الشبان والأسرى المحررين وطلبة الجامعات".
ويتواصل مسلسل التعذيب في الضفة على يد الاحتلالين؛ الأول غريب عن الأرض لا يرحم أبناءها والآخر أشد مضاضة يسري بين ثنايا أصحاب الأرض ويكسر صمودهم ولسان حالهم أن "حسبنا الله ونعم الوكيل".