ما إن يدخل منتصف الليل، تتكئ أم خالد بهدوء على سريرها خوفًا من إزعاج زوجها, تحمل رضيعتها بيدها اليمنى, فيما تحتضن في يدها الأخرى المتعبة من "الجلي" "والكوي" "والشطف " كتاب اللغة العربية.
تنشغل أم خالد بتقليب صفحات كتاب "التوجيهي"، بينما تمر الساعة تلو الأخرى, ويبدأ التعب والملل يسيطران على وجه المرأة المرهقة، وتقول: "أوف والله تعبت, الله أعلم متى أخلص هالمادة", لاسيما أن اختبارها سينطلق خلال الأيام المقبلة.
بعد أن سيطر التعب والإرهاق على جسد أم خالد, سقط الكتاب على وجهها بعد أن فقدت السيطرة ودخلت في غفوة، لكن خوفها من عدم انجاز المادة في الوقت المحدد، كان بمنزلة منبّهٍ أيقظها من غفلتها.
فشلت أم خالد في التغلب على النعاس, دقائق قليلة وعادت للنوم مجددًا، وفجأة سقط الكتاب على الأرض، وأصدر صوتًا مرتفعًا كان كفيلًا بإيقاظ الزوج من نومه.
يستدرك الزوج الموقف، ويذهب محضرًا كوبًا من ماء، في إشارة لحرصه على إتمام زوجته المادة المقررة التي بين يديها من جهة، ولكي تستعيد الأخيرة نشاطها الدراسي من جهة أخرى.
السيدة أم خالد صاحبة الأربعين عامًا، أمٌ لسبعة من الأولاد أكبرهم قطع عامه السادس عشر، تحمل في قلبها إصرارًا على تحصيل شهادة الثانوية العامة (التوجيهي)، رغم كبر سنها.
التصميم والمثابرة لدى أم خالد بالحصول على شهادة التوجيهي، يأتيان من باب تحقيق ما كانت تحلم به بعد أن انقطعت عن التعليم مدة عشرين عامًا, وأملًا بأن يكون ذلك محفزًا لابنها البكر.
وعلى الرغم من امتلاكها العزيمة الصلبة والارادة القوية، إلاّ أنها تقر بصعوبات قد تكون كفيلة بالحيلولة دون تحقيق حلمها, وتقول إنها تواجه عقبات أهمها؛ صعوبة الحفظ بسبب الانقطاع عن التعليم مدة طويلة، إلى جانب الانشغال بأعمال البيت.
أما ميسون الفتاة ابنة السبعة عشر المخطوبة من عبد الرحمن قبل شهر من انطلاق موعد اختباراتها, لا يختلف الحال بالنسبة لها عن أم خالد في الهم الكبير الذي تحمله، يبدأ بالحرص على علاقتها بخطيبها، وينتهي بتحصيل شهادة الثانوية.
ميسون أخت وحيدة لخمسة شبّان, يُلقى على عاتقها مساعدة والدتها صاحبة الخمسين عامًا في ادارة الأمور المنزلية, وتنفيذ طلبات إخوتها الشباب الذين لا يراعون الضغط الواقع عليها.
ظروف خاصة تنفرد بها ميسون، أجبرتها على الارتباط بابن خالتها، وأهم ما يشغل بالها ويقلق تفكيرها، أن موعد زفافها قد تحدد بعد يومين من انقضاء فترة امتحانات الثانوية العامة.
وكانت امتحانات الثانوية العامة (التوجيهي)، قد انطلقت صباح السبت، في مبحث التربية الإسلامية لجميع الفروع، "وتستمر مدة اثنين وعشرين يومًا قبل أن تنتهي في الثامن من الشهر المقبل.