غزة: أسرة يعيلها طفل والمهنة "تاجر بنانير" !

صورة من الارشيف
صورة من الارشيف

غزة - حمزة أبو الطرابيش

في كل يوم عندما يقترب موعد اختباء الشمس خلف ستار بحر غزة، يصعد الشبل الصغير أحمد مسرعاً على دراجته الرديئة، مزاحماً السيارات للوصول إلى منزله المتواضع قبل غروب الشمس، لعلمه بان التأخر عن الوقت المحدد له سيجلب له توبيخ أخيه الكبير والضرب المبرح.

خروجه لساعات طويلة من بيته وقطعه مسافات على دراجته لمناطق سكنية عدة، انطلاقاً من معسكر جباليا شمال قطاع غزة، ليس للهو واللعب، إنما لمواكبة مهنته التي اكتشفها مؤخراً، بعد ان نفثت صعوبة توفير لقمة العيش سمومها في جسد الشبل الصغير وعائلته.

تتطلب مهنة الشبل أن يضع مجموعة من البنانير في جيب سترته - علامة الشغل -، فيذهب لكل حارة ومنطقة من مخيمه ويمارس اللعب مع من في عمره أو يكبره.

ويبدأ بجمع مئات البنانير بعد تمكنه من القضاء على منافسيه في اللعب، وبعد أن يجمعها يذهب إلى مناطق أخرى ليبيع "30" بنور بنصف شيكل .

لقمة العيش صعبة

يخلع أحمد سترته ويمسح العرق عن جبينه قائلاً بصوت متعب لـ"الرسالة": "لقمة العيش صعبة يا خال، لعبتي المفضلة صارت مصدر رزق، بعين الله".

صاحب الجسد الصغير بعد أن ينتهي من عمله، يتجه مسرعاً إلى أقرب محل "سوبر ماركت"، يدخله رافعاً رأسه "بشهامة" ليشتري معلبات طعام ليدعم مائدة أمه المتواضعة، وفق قوله.

وعن حصيلة ما يجمعه من مال خلال مهنته التي ينفرد بها، يجيب بابتسامة خجولة "من ثمانية إلى عشرة شواقل فقط ما أجمعه كل يوم".

مسعود -الأخ الأكبر لأحمد والعاطل عن العمل- خطط لمراقبة شقيقه الأصغر، بعد أن زُرع شك في قلب الأول بما يجلبه الطفل الصغير من طعام.

الشقيق الأكبر الذي يعد نفسه أفضل خلف لأحسن سلف، بعد وفاة والده منذ عامين يوضح لـ"الرسالة" أن سبب مراقبة أخيه، هو الخوف من أن تكون الأشياء التي يأتي بها أحمد للبيت من مأكل ومشرب عن طريق السرقة، الكفيلة بأن تضعهم بمأزق هم في غنى عنه.

وبنبرة المفتخر يقول مسعود "إن الرجولة الموجودة في أخي الصغير تكاد أن تكون قريبة مني رغم صغر سنه".

أحمد كنز

الخمسينية أم مسعود تقول بصوتها المشحون باعتزاز الأم، "صحيح أن الله لم يعطنا المال وحياتنا صعبة؛ لكنه عوضنا بكنز اسمه الأحمد".

الطعام المتواضع الذي يقدمه أحمد للبيت يترك في كل مرة أثراً كبيراً في كل فرد من عائلته، تضيف أم مسعود.

تنظف الحاجة عتبة منزلها وهي تردد عبارة "أحمد سيكون أحد ركائز المجتمع في المستقبل، وما يفعله ابني (العمل ومساعدة أسرته) يصعب على رجال فعله".

وبحس الوطني الموجود بكل شخص يطأ أرض غزة من شيخها لرضيعها تؤكد أم مسعود أن ما ترتكبه (إسرائيل) بحق الشعب الفلسطيني وخاصة قطاع غزة لن يكسر أي شوكة عائلة موجودة بها، مشيرةً أن عائلتها وأبنها أحمد خير منزلة دليل.

من يسمع مقولة (من صنع من لعبته مهنة) ليعيل أهله على أبسط متطلبات الحياة، حتما سيتذكر أحمد ابن غزة، وان الصمود والطموح غير مرتبط بعمر أو مال.