في الذكرى الـ 65 للنكبة...

لاجئون بغزة: نحن ضيوف مهما طالت إقامتنا

مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين(أرشيف)
مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين(أرشيف)

غزة- الرسالة نت- محمد الشيخ

"غزة".. عند سماعك هذا الاسم للوهلة الأولى يخطر ببالك، الدمار الذي يحل بهذه المدينة الصغيرة صباح مساء، والحصار"الإسرائيلي" المفروض عليها منذ عشرات السنين.

المدينة الساحلية التي تشكل تقريبا 1.33% من مساحة فلسطين التاريخية، ويمتد قطاعها على مساحة 360 كم مربع، بطول 41 كم، وعرض يتراوح بين 5 و15 كم، ويقترب عدد سكانها حاليا من الـ 2 مليون نسمة.

غزة "قلعة الصمود" كما يحب أن يطلق عليها أهلها، حيّرت العالم ودحرت الاحتلال وقلبت الموازين في كثير من المعادلات السياسية (الإقليمية والدولية)، كانت وما تزال رمز العزة والكرامة لكل فلسطيني عاش فيها أو جاءها زائرًا أو لاجئًا قبل النكبة أو بعدها، أو حتى في وقتنا الحاضر.

ونخصص حديثنا في هذا التقرير عمّن جاءها لاجئًا، فغزة كانت وما تزال قِبلة لكل فلسطيني ضاقت به الدنيا سواء داخل فلسطين أو خارجها.

عام 1948م نفي أكثر من مليون فلسطيني تقريبًا, أو بعبارة أخرى أجبروا على الخروج من منازلهم ومدنهم وقراهم ، حيث سلبت أراضيهم وأملاكهم وأصبحوا لاجئين بلا وطن ولا أي وسيلة من وسائل العيش.

استقبلت غزة في ذات العام، أجدادنا وأهلنا الذي هاجروا أو هجّروا من بلادهم وقراهم الفلسطينية، فارين إليها، ظنًّا منهم أنها الملجأ الوحيد والأقرب إليهم وإلى أراضيهم بجانب الضفة المحتلة.

وجاءت هجرة أجدادنا بعد الشائعات التي سمعوها عن مذابح العصابات الصهيونية كـ"الهجاناة", التي ترتكبها بحق أهالي القرى الفلسطينية، وأشهرها مذبحة دير ياسين في أبريل/ نيسان 1948، التي سببت ذعرًا غير مسبوق في نفوس الفلسطينيين في تلك الفترة، ما حدا بهم لترك بيوتهم وأرضهم خوفا على أرواحهم، كما تروي الحاجة أم عبد الله نصار لـ"الرسالة نت".

200 ألف لاجئ

ولم تقتصر الهجرة على قطاع غزة فحسب، بل توزع أجدادنا على الضفة المحتلة والأردن وسوريا ولبنان، لكن غزة والضفة كانتا الأوفر حظًا في الهجرة إليها؛ لأنها تبقى داخل فلسطين.

وهاجر إلى غزة حوالي 200 ألف لاجئ فلسطيني من مجموع 900 ألف خرجوا من بلادهم، وبذلك تضاعف عدد سكان القطاع.

وطبقًا لإحصائيات الأمم المتحدة بلغ عدد الفلسطينيين، الذين أُجبروا على مغادرة بلادهم، حتى 14 مايو/ أيار 1948 ما لا يقل عن 900 ألف فلسطيني.

أما عن أسباب الهجرة إلى غزة، فكان ذلك لقربها من القرى الفلسطينية ولأنها تبقى داخل فلسطين على أمل العودة إلى الأرض قريبا، وفق ما أدلى به شهود عيان من تلك المرحلة لـ"الرسالة نت".

محظوظ من كان له أقارب من أهل غزة، لأنهم عندما هاجروا وجدوا مأوى لهم ومن يحتويهم، ومنهم من تأجّر بيوتا أو أراضٍ جديدة ليسكن فيها، ومنهم من افترش الأرض والتحف السماء.

وكان السكن في تلك الفترة عبارة عن "تجمعات صغيرة"، كأن تسكن العائلة الكبيرة "الحمولة" كلها في منطقة واحدة حتى يكونون قريبين من بعضهم، اعتقادا منهم أن مكوثهم في غزة لن يطول وسيعودون قريبا لقراهم التي تركوها، تضيف أم "عبد الله" (94 عاما).

أما مدينة غزة كانت تمتلك في تلك الفترة، بعض الأسواق وتقوم على بعض الصناعات الخفيفة، بالإضافة لكونها منتجة للحمضيات، وكانت تحتوي على أراض زراعية.

مشاعر مختلطة

كيف كانت غزة عندما جاءها اللاجئون وكيف كان استقبالهم؟ كانت عبارة عن سوافي رمل متفرقة العمران وقليلة السكان، أما الاستقبال فكان برضا وترحيب من الأغلبية الساحقة لأهالي غزة، وقليلٌ تثاقل من مجيء اللاجئين ظنًّا بأنهم سيكونون عبئا ، وفق قول الحاجة "أم عبد الله".

وتضيف مستدركة "اليوم الوضع مختلف تماما أصبحنا جسدا واحدا ولم يعد هناك فرق بين لاجئ أو مواطن، فمآسي الحياة وصعوباتها والهمّ الواحد، جمّعت بيننا وأذابت الفروقات والمسميات البالية، ولكننا نبقى ضيوفا بغزة مهما طالت إقامتنا حتى نرجع لبلادنا".

وأحضر أجدادنا معهم عند اللجوء لغزة بعض الأطعمة الخفيفة لتموين أنفسهم فيها لعدة أيام، لاعتقادهم أنهم سيعودون خلال أيام قليلة إلى بلادهم.

وبقي المهجّرون يرسلون  أبنائهم إلى بيوتهم في القرى؛ لجلب التموين الغذائي مما تبقى في محاصيلهم الزراعية في "البلاد"، وبعد فترة قصيرة أصبح الخطر يداهم حياة من يذهب إلى قريته فإما أن تقتله العصابات الصهيونية أو يُفقد، ما دفع الأهالي لعدم إرسال أبنائهم، خوفًا عليهم حتى ضاق بهم الحال، فلا يوجد "غذاء ولا دواء ولا مأوى".

وبعد ذلك ظهرت وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" لتوزع مواد تموينية على الناس، وبعد فترة ليست بالقصيرة وزّعوا الخيام على اللاجئين، ومع استمرار أجدادنا بغزة وصعوبة العيش عمدت الأونروا إلى إنشاء المخيمات بمختلف مناطق القطاع، ووزعت اللاجئين الفلسطينيين عليها.

وتم تجميع اللاجئين الفلسطينيين في "تجمعات بدائية" أطلق عليها مخيمات، وأنشأت الأونروا في القطاع ثمانية مخيمات، وهي جباليا، النصيرات، الشاطئ، البريج، خانيونس، المغازي، دير البلح، رفح.

وعند سؤالنا للحاجة "أم عبد الله" عن العودة إلى بلدتها الأصلية "زرنوقة"، تجيب بنبرة قوية مختلطة بدمعة حزينة "بإذن الله سنعود إلى بلادنا عاجلا أو آجلا، والدليل على هيك إني محتفظة بمفتاح بيتنا في البلاد لليوم".

لاجئو سوريا

وسنخصص في جزئنا الثاني من التقرير الحديث عن اللاجئين الفلسطينيين في سوريا؛ بسبب معاناتهم على مدار عامين لما يرتكبه النظام السوري من مجازر وانتهاكات بحق المخيمات الفلسطينية واللاجئين هناك.

وبلغ عدد المهجرين إلى سوريا بعد النكبة وفي عام 1949 تحديدا، أكثر من 200 ألف لاجئ فلسطيني، وبلغت عدد المخيمات الفلسطينية في سوريا حوالي عشرة.

وكان الفلسطينيون يعيشون إلى وقت قريب حياة متوسطة كريمة هناك، رغم بعض الصعوبات التي كانوا يواجهونها من عمل وسكن –لأنهم فلسطينيين- ولكن منذ بداية الثورة السورية لم يعد أمان على شيء.

أنتجت حالة الصراع الدائر بين النظام السوري الرسمي والجيش الحر، حالة مأساوية خيّمت على أحوال اللاجئين الفلسطينيين وخلّف الاستهداف المباشر لمخيماتهم التي يقطنون بها, الآلاف من الضحايا والجرحى والمفقودين، إضافة إلى فتح هجرة جديدة هربًا من نيران الحرب المستعرة, التي "لا ناقة لهم فيها ولا جمل".

من لجوءٍ إلى لجوء

الجرائم هذه دفعت بعدد كبير من الفلسطينيين للهروب خارج سوريا متجهين إلى بعض الدول المجاورة، ومنهم من جاء أو عاد إلى غزة.

غزة "الحضن الدافئ"- كما أحب وصْفها بعض اللاجئين الجدد عند حديثهم لـ"الرسالة نت"-، استقبلت مؤخرا عددا من الفلسطينيين الذين جاءوها لاجئين خوفا على حياتهم، ورحب أهالي القطاع كثيرا بعودة النازحين من سوريا إلى بلدهم الأم "فلسطين"، واستقبلوهم أفضل استقبال.

محمد أبو ستيتة (26 عاما) –أحد اللاجئين من سوريا لغزة- يقول: "الاستقبال في غزة كان مثاليا وفوق المتوقع، خاصة من أقاربي الذين لم أرهم منذ 26 عاما وأتعرف عليهم لأول مرة في حياتي، وغزة مهما تكون بتسع من الحبايب مليون".

ويضيف محمد "أكثر من كان سعيدا بعودتنا هم أهلنا، واحتضنونا بشكل غير متوقع، وها نحن نتنقل للسكن عندهم بين الحين والآخر؛ لأننا لم نجد سكنا خاصًا بنا حتى اللحظة".

وأدّت الحرب في سوريا إلى تشريد نحو ربع مليون لاجئ فلسطيني، 800 لاجئ منهم وصلوا إلى غزة، موزعين على 120 أسرة، حسب قول عصام عدوان رئيس دائرة شئون اللاجئين في حركة حماس.

ويضيف عدوان :"الحكومة الفلسطينية بغزة رحبت باللاجئين, مبيّنًا أن دائرة شئون اللاجئين في حماس قدمت إلهم مساعدات طارئة, ومن ثم نسّقت مع وزارة الشؤون الاجتماعية لمد يد العون لهم".

وبخصوص الخدمات التي تقدمها وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين من سوريا إلى غزة، يؤكد عدوان أنها، حتى اللحظة، لم تقدم لهم شيء من المساعدات, لأنهم مسجلين كلاجئين بسوريا وليس بغزة.

وبسبب وضعهم المأساوي وتشريدهم من بلاد إلى أخرى، دعا الأونروا إلى نقل ملفات الأسر النازحة إلى غزة بدل سوريا، وبدء صرف مساعدات لهم لحين عودتهم إلى بيوتهم.

ويشير عدوان إلى أن الحكومة ستوفر للنازحين مساعدات قدر الإمكان حتى يستطيعوا العيش بحياة كريمة في غزة، ولا يشعروا بالغربة في بلادهم.

وتبقى معاناة اللاجئ الفلسطيني مستمرة منذ نكبة عام 1948 وحتى يومنا هذا، وعذابات الفلسطيني لا تنتهي أينما حل وارتحل، فهذا قدر الله وما عليه إلا "الصبر والاحتساب" علّ الله يعوض صبره خيرًا.