قائمة الموقع

بعد 65 عاما.. مخيم الشاطئ شاهد على المأساة

2013-05-14T08:35:00+03:00
مخيم الشاطئ للاجئين في غزة
الرسالة نت - فادي الحسني

لا تحمل الملامح الحالية لمخيم الشاطئ للاجئين شيئا من ملامحه القديمة التي كان عليها بعد نكبة 1948 بعام واحد، ولكنه لا يزال شاهدا على بؤس قاطنيه.

زهقت أرواح كثيرين من كبار المخيم، وشوارعه الضيقة بالكاد اتسعت لحمل النعوش، أو لإقامة سرادق العزاء نظرا إلى تلاصق مبانيه البالية، ومع هذا استطاع اللاجئون الأطفال اللعب في حاراته، وأحيانا خوض معارك بين أزقته بأسلحتهم الخشبية في لعبة (يهود-عرب).

ويقع المخيم الساحلي إلى الغرب من مدينة غزة، وتبلغ مساحته نحو 447 دونما، أما عدد سكانه فبلغ 78768 نسمة, وفق إحصاءات عام 2003.

ويذكر كبار المخيم ممن أسعفتهم الذاكرة في استحضار الماضي أن اللاجئين كانوا يقطنون في غرف ضيقة من "القرميد" أقامتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" لاحتضان المشردين الذين تعود أصولهم إلى قرى مختلفة أبرزها: حمامة، والجورة، والمجدل، ويافا، واسدود.

ويقول الحاج علي العبد في أواخر عقده السادس: "الوكالة أقامت المخيم لإيوائنا (...) أوضاعنا كانت متردية، فقد أقمنا في غرفتين من القرميد آنذاك".

ذاق لاجئو المخيم الأمرّين لكن عزاءهم كان الحلم بالعودة إلى ديارهم التي استولى عليها الاحتلال (الإسرائيلي) وهجرهم عنها، فهم لا يزالون محتفظين بأوراقهم الثبوتية و"كوشان الأراضي" ومفاتيح البيوت المتآكلة.

واحتوى "الشاطئ" مدرسة واحدة عقب نشوئه سميت باسم مديرها آنذاك "حسين خيال"، ثم تعددت مدارس المخيم، في حين كان نصيبه عيادة طبية واحدة، ومخفرا للشرطة أطلق عليه اسم "نقطة أبو هاشم".

لاجئو المخيم كانوا يقتاتون على المعونات التي قدمتها وكالة الغوث التي وفرت للمئات من الأسر مأكلا وملبسا، وأقامت لهم "مركزا للتموين" على أطراف المخيم من الناحية الجنوبية الغربية إضافة إلى مركز تغذية للأطفال الذين يعانون النحافة.

ورغم ما حاولت "الأونروا" تقديمه من مساعدات لأولئك المشردين، فإنهم كانوا يضطرون لقضاء الحاجة عبر دورات مياه "صفيحية" أقيمت في شوارع المخيم لافتقار بيوتهم تلك الدورات.

ويقول الحاج العبد: "كان الواحد منا عندما يريد أن يقضي حاجته يخرج وفي يده إبريق الماء متجها إلى دورة المياه الخارجية المقامة في الشارع.. حقا كانت حياة مرة".

أهالي المخيم عاشوا بلا كهرباء لكن هذا لم يمنع كبارهم أو صغارهم أو حتى نساءهم من السمر ليلا مشعلين القناديل، "وأحيانا على ضوء القمر"، كما يقول اللاجئ العبد.

الحال مع الماء كانت مختلفة، فقد وفرت وكالة الغوث كما يقول العبد صنابير مياه عامة في الشوارع اصطلح عليها اسم "الطرمبة"، وكان يتدافع الناس نحوها لتعبئة الأوعية ثم إفراغها فيما سمي "المزيرة" وهي وعاء إسمنتي أقيم داخل البيوت كخزان للمياه.

أما عن وسائل النقل التي كانت تقل لاجئي المخيم من مكان إلى آخر، فيقول: "كنا نستقل الباصات الكبيرة.. لم تكن هناك وسائل نقل غيرها".

المخيم استمر على حاله حتى عام 1963، وبعد ذلك شرعت وكالة الغوث بتوسيعه شمالا بناء على الاكتظاظ السكاني، فأقامت بيوت قرميد جديدة، وأطلقت على التجمعات المختلفة اسم "بلوك"، فتعددت ليصبح هناك "بلوك "1 وصولا إلى "بلوك 12" وأزيد.

عام 1967 إبان حرب (الأيام الستة) بين (إسرائيل) والدول العربية، حفر قاطنو المخيم حفرا داخل بيوتهم للاحتماء فيها من بطش الصواريخ (الإسرائيلية).

ويبتسم اللاجئ العبد عندما يستذكر ما حدث مع أسرته حين قصفت الطائرات منطقة ما وكانوا يعدون الخبز على موقد النار، فسقطوا جميعا في الحفرة وتناثرت الأرغفة.

كان أهالي المخيم يجتمعون على الود والمحبة، ويقول اللاجئ العبد: "عندما كان أحد من الجيران يمرض كنا نلتف جميعا حوله.. كنا نتشارك الأفراح والأتراح".

وعمل في المخيم حلاقان اثنان، ولكن إمكاناتهما كانت جيدة، فكانا كطبيبي الأسنان، ومن مهماتهما الختان وأمور أخرى متعلقة بالطب.

أما عملية وضع النساء مواليدهن فكانت تجري عبر ما عرف بـ"الداية".

ولم تشهد بيوت القرميد تطورا إلا مع بداية الثمانينيات حين جرى تأسيس البنى التحتية للمخيم، فأنشئت شبكات مياه وصرف صحي، وجرى توصيل الكهرباء للبيوت، ولجأ بعضهم إلى تطوير أسقف تلك البيوت باستخدام "الأسبست".

تصريف مياه الصرف الصحي كان باعثا على التقزز، فشهدت شوارع المخيم قنوات صرف تسير على جانبيها مكشوفة الأمر الذي كان يؤثر مباشرة على صحة لاجئيه.

وفي الوقت الذي عانى فيه المخيم من الكثافة السكانية المهولة، فإن المئات من قاطنيه لجأوا إلى مشاريع التوطين مثل مشروع "الشيخ رضوان" المقام شمال مدينة غزة لغرض التوسع، ويصف العبد هذا الأمر بأنه "محاولة (إسرائيلية) لتفريغ المخيم من ساكنيه".

وربما كانت تلك المرحلة عصرا ذهبيا بالنسبة لشباب المخيم الذين انتقلوا نحو العمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948، فساهموا في إنعاش الحالة الاقتصادية، وبعضهم رمم مبانيه، وآخرون أعادوا بناء بيوتهم بالخرسانة المسلحة.

ويقول اللاجئ الحاج: "الشبان كانوا يعملون داخل (إسرائيل)، فقل العمل في الصيد البحري، ولكن ذلك ساهم في إنعاش الحالة الاقتصادية التي كان يعيشها اللاجئون".

أواخر الثمانينيات مع انطلاقة "انتفاضة الحجارة" كان مخيم الشاطئ رمزا للمقاومة الشعبية ضد الاحتلال.

وعقب توقيع اتفاقية أوسلو 1993 وتولي السلطة مقاليد الحكم في الأراضي الفلسطينية، جرى إصلاح البنية التحتية للمخيمات، فطرأ تحسن طفيف على شوارع "الشاطئ" لكنها ظلت تعاني أزمة مياه الأمطار التي كانت تجرف في بعض الأحيان البيوت المهترئة.

الجدير ذكره أن قادة كبارا عاشوا في المخيم منهم زعيم حركة حماس ومؤسسها الشهيد أحمد ياسين، وخليل القوقا، وسعيد صيام، وأحمد بحر نائب رئيس المجلس التشريعي، في حين لا يزال يسكنه رئيس الوزراء إسماعيل هنية.

ولا يزال "الشاطئ" يحتفظ في الذكرى الـ65 للنكبة بشيء من معالمه القديمة، فالأزقة تختزل ويلات ومآس لسنوات مضت حاملة اللاجئين على الصبر لعلهم يعودون يوما من حيث أتوا.

اخبار ذات صلة