"الأدرينالين" الأمريكي يُنعش التسوية ويقتل المصالحة

نتنياهو وباراك (أرشيف)
نتنياهو وباراك (أرشيف)

غزة-محمد بلّور-الرسالة نت

حقنة واحدة من "الأدرينالين" الأمريكي لا تكفي لدفع التسوية بين السلطة الفلسطينية و(إسرائيل)، فالمطلوب أن يسري المزيد منه في عروق الطرفين.

لا يسقط الظلّ على الأرض منفرداً فلا بد له من أصل وهكذا هي بشائر التسوية ظلالها حزمة من التصريحات والوعود بمشاريع اقتصادية وتسهيلات مستقبلية.

الآن وقع المحظور! وعادت كفة التسوية مع الاحتلال ترجح على كفة المصالحة التي أكلها صدأ؛ لأنها لم تداعب الهواء ولو لمرة واحدة.

وتنشط الولايات المتحدة الأمريكية في الشهور الأخيرة؛ لترتيب أوراق الشرق الأوسط الجديد بمحاولة إعادة التسوية للحياة، وتقريب تركيا مع (إسرائيل)؛ لأن لديها الكثير في ملف إيران وسوريا.

وبات من الواضح أن تطوراً واقعياً سيطرأ على التسوية بين السلطة الفلسطينية و(إسرائيل)، وإن كان دون الطموحات الفلسطينية، لكن أزمتها المالية ستدفعها بقبول المطروح حالياً .

التسوية أولاً !

التلويح بالضغط الفلسطيني أمام جرائم الاحتلال لا يتجاوز "قوقأة دجاجة غاضبة" في ظل انحسار الدعم المالي للسلطة الوارد من الينابيع الأوروبية والأمريكية.

ويرى المحلل السياسي تيسير محيسن أن التقارب الوشيك سيكون فلسطيني-إسرائيلي وليس فلسطيني-فلسطيني، بمعنى أن التسوية فرصتها كبيرة أمام تحقيق المصالحة المتعثّرة.

ويقول: "أمريكا تصيغ الآن أجندة حملها أوباما وبدأ يجسدها كيري بالتوافق ما بين إسرائيل والسلطة والأردن، وفق رؤية أمريكية؛ لترتيب التحالفات الجديدة بعد الربيع العربي".

وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد زار المنطقة في العشرين من مارس/آذار الماضي، تلاه جون كيري وسيعقبهم وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل في برنامج لدفع التسوية ومصالحة تركيا مع (إسرائيل).

الشرق الأوسط الجديد بعد الثورات محل اهتمام أمريكا؛ لأن الأنظمة الصاعدة فيه لم تتوافق معها لذا تحاول رسم خارطة معدّلة.

ويضيف محيسن أن جون كيري زار تركيا بعد التحول الكبير في موقف (إسرائيل)  الذي أعقب زيارة أوباما، مؤكداً أن نتائج ذلك لن تكون سريعة، لكنها ضمن ترتيبات جديدة.

ويشير المحلل السياسي إلى أن التسوية بين الفلسطينيين و(الإسرائيليين)، تحتل منصباً متقدماً على سلم أولويات الخارطة الأمريكية الجديدة، يليها الحال في سوريا وملف إيران.

أما الباحث في الشئون (الإسرائيلية) محمد مصلح، فيقول إن الولايات المتحدة الأمريكية -خلال الوقت الحالي- بصدد لملمة أوراق الشرق الأوسط ضمن خطة أمريكية-(إسرائيلية).

ويضيف: "اهتمامات أمريكا خارج الشرق الأوسط نحو كوريا الشمالية وإيران والصين يدفعها؛ لتثبيت الهدوء في الشرق الأوسط".

وحسب تحليل مصلح فإن كلاً من أمريكا و(إسرائيل)، لا ترغبان في منح السلطة شيئاً استراتيجيا بدفع التسوية، لكنهما تحاولان إدارة الصراع بشكل آخر.

وكانت الولايات المتحدة، قد أعلنت أنها ستدعم السلطة الفلسطينية، وستساعد على إقامة مشاريع اقتصادية في الضفة؛ لتحسين ظروف السلطة ومنحها الأمل في التسوية.

السلطة و(إسرائيل)

السلطة بحاجة إلى "نافورة مال" لتخرج من أزمتها المالية وشطب دفتر الديون المنتفخ والحل السحري بيد الداعمين الذين أسسوا نظامها المالي.

جزء من مال السلطة محتجز لدى (إسرائيل)، وآخر مصدره الضرائب والغالبية العظمى ترد عادةً من المانحين عرباً كانوا أم غيرهم.

الخلاف مستعر بين السلطة و(إسرائيل) حول نقطتين مهمتين أولهما "رفض السلطة للاستيطان" والثاني "مطالبة الاحتلال بيهودية الدولة" وفي كليهما مشاكل مفصلية.

ويتابع محيسن قوله إن السلطة لن تعترف بيهودية (إسرائيل)، وستخفف اللهجة تجاه الاستيطان، في المقابل ستقلص الأخيرة الاستيطان في القدس والضفة المحتلتين، وهو ما توصل إليه كيري.

ويضيف: "ستحصل السلطة على جملة تسهيلات اقتصادية وهناك حديث غير مؤكد عن تحرير أسرى. في المقابل لن تلجأ السلطة لمقاضاة إسرائيل في المحاكم الدولية أو تستكمل عضويتها في الأمم المتحدة".

أما المحلل مصلح فيقول إن "أبجديات الفكر الصهيوني -حتى العلمانيين- يرفضون أي حل لملفي اللاجئين أو القدس، وأن كامل إسرائيل وحليفتها أمريكا يرفضون قيام دولة فلسطينية".

وينفي وجود أوراق ضغط حقيقية لدى السلطة الفلسطينية، لتمارسها في ظل حاجتها الماسة للدعم الأمريكي وأموالها المحتجزة وضرائبها المشتركة مع (إسرائيل).

ويذكّر مصلح بتصريح جون كيري الأخير حين قال: "إذا عادت السلطة للمفاوضات ستدعم أمريكا السلطة"، ولذلك معنى كبير في ظل الأزمة المالية وانحسار المالي العربي الداعم للسلطة.

وزيادة على توقعات المحللين بتراجع السلطة عن مقاضاة (إسرائيل) في المحاكم الدولية وتخفيف اللهجة ضد الاستيطان، فإن بادرة التجاوب الأولى ستكون رفض السلطة للمصالحة مع حماس.

الحضن العربي

الخاصرة العربية حالياً طرية للغاية، ولا يوجد ركن شديد تلجأ إليه السلطة الفلسطينية بعد سقوط أكبر أصدقاء أمريكا و(إسرائيل) في المنطقة.

دائماً كان المطلوب خيمة عربية يجري تحتها دعم خطوات التسوية، وهذه المرة دارت الوجهة نحو المملكة الأردنية وهي صديق مدّخر لوقت الضيق.

التسوية اللائحة في الأفق لن تتناول قضايا جوهرية مثل القدس واللاجئين، وستكتفي الصورة بإعادة تزييت العجلة المشلولة من سنوات.

المحلل محيسن يقول هنا، إن رئيس السلطة محمود عباس دائماً يبحث عن سند لخطواته السياسية، وقبل أسابيع وجده في الأردن عبر "مؤتمر الدفاع عن القدس".

ويستطرد: "وقعوا بروتوكول الولاية الدينية الكاملة للأردن على القدس وهو أحد تخريجات بحث ملف القدس في المفاوضات؛ ليقول عباس إن طرح أي كلام عن القدس تلك مسئولية الأردن".

أما المحلل مصلح فيعتبر الأردن "عرّاب السياسة" في المنطقة حيث يتدخل الأردن لإعاقة كثير من التقاربات الفلسطينية ويتعاون مع أطراف خارجية .

ويصف الأردن بأنه بوابة أمريكا و(إسرائيل) للحديث مع الرئيس عباس، وكثيراً ما أغلق الحوار وفتح مرة أخرى مع الفلسطينيين عبر الأردن.

ويعتبر منح الأردن حق الولاية الدينية في القدس شكلاً للتوافق الفلسطيني الأردني وحجراً في وجه مصر التي تعاني كثير من المشاكل

وستعيش السلطة الفلسطينية في الشهور المقبلة، انتعاشاً مالياً يخفف أزمتها المالية ويبعدها أكثر عن بوابة المصالحة الوطنية.