يراقب الصياد الفلسطيني مهدي بكر 34 عاما طائر النورس وهو ينقب عن رزقه في بحر غزة, ويخترق الأمواج المتلاطمة ليظفر بقوت يومه.
يشعر بالإلهام من الطائر الذي ارتبط مثله بالبحر, بيد أنه يرجو التحرر من القيود البحرية "الإسرائيلية", التي حجبه عن الإبحار لعمق البحر المتوسط.
خسر مهدي كفه اليمنى لدى عمله بالبحر؛ عندما انقضت بحرية الاحتلال على مركب والده في بحر غزة قبل 14 عاما؛ إلا أنه واصل خوض الصعاب.
وقال لـ"الرسالة نت" إن زوارق الاحتلال هاجمت المركب عام 1997 وهو على متنه, ما أدى لانقلابه وعلق بالشباك وأصيب بجراح بالغة نتيجة تصادم الزورق مع المركب.
رسمت على وجه مهدي خطوط بيضاء من الملح بفعل تطاير رذاذ ماء البحر عليه وتعرضه لأشعة الشمس طوال النهار.
اشترى مركبا (لنش), وجهزه بمعدات صيد حديثة بعد أن تشارك مع 9 من أفراد عائلته, لأنه لا يقوى على امتلاكه لوحده أو تسديد نفقاته اليومية.
يسهل على مهدي ولوج البحر على الرغم من إعاقته ويقود المركب بخفة ويداهم أماكن تجمع الأسماك إلا أن الاحتلال يتربص به ويضطره للخروج من البحر.
وكان الاحتلال قد منع الفلسطينيين في يونيو عام 2006 من الصيد على بعد أكثر من ثلاثة أميال بحرية خلافا لاتفاق أسلو عام 1993 الذي منح الصياد الحق في الوصول لـ20 ميل بحري.
وبعد عملية "عامود السحاب" التي شنها الاحتلال على غزة واستمرت ثمانية أيام في نوفمبر 2012 أبرمت تهدئة برعاية مصر سمح أحد بنودها بالصيد على بعد ستة أميال.
تنصلت "إسرائيل" من البند المخصص بالصيد البحري قبل نحو شهر, وقلصت مساحة الصيد من 6 إلى 3 أميال بحجة تعرضها لقذائف صاروخية من غزة.
يرثي مهدي حال الصيادين الفلسطينيين بعد أن قلص الاحتلال مساحة الصيد, وتراجعت كميات الأسماك التي يجري اصطيادها.
يبحر أربعة عشر فردا مع مهدي على ظهر المركب المثقل بالهموم, ولكل واحد منهم ألم يتجرعه بفعل العدوان "الإسرائيلي" على الصيادين.
ويبلغ عدد الصيادين الفلسطينيين نحو 3700 صياد يعملون على 1000 قارب مختلفة الأنواع والأحجام, بحسب نقابتهم في غزة.
يقضي الطاقم نحو 18 ساعة في البحر وتتوزع مهامهم ما بين إلقاء الشباك وسحبها, وفرز الأسماك بحسب نوعها بعد أن تنتهي عملية الصيد.
يرسي مهدي المركب في نطاق المسافة المسموح للفلسطينيين بالصيد فيها, ويأمر بإلقاء الشباك وتسليط الضوء عليها لاستدراج الأسماك ليلا.
تهاجم الزوارق الحربية "الإسرائيلية" المركب في كثير من الأحيان وترغمه على سحب شباكه قبل أن يتمكن من الصيد.
ينصاع مهدي لأوامر الاحتلال, حفاظا على حياته وحياة الصيادين الذين على متن المركب, بعد أن تبدأ الزوارق بإطلاق النار عليهم لإرهابهم.
أعطبت البحرية "الإسرائيلية" الأضواء التي صُفت على ظهر مركب مهدي أكثر من مرة, كما أطلقت النار تجاه المولد الكهربائي لإلحاق خسائر فادحة به.
لا يأبه جنود الاحتلال لمناشدات وقف إطلاق النار حتى ينسحب الصيادون من البحر بـأمان, فيسلطوا خراطيم المياه عليهم لتقذفهم خارج المركب بفعل قوة الدفع.
يعود مهدي إلى الشاطئ دون أن يصطاد أي من الأسماك, فتزداد خسارته يوما تلو الآخر جراء تكاليف الإبحار وأجرة الصيادين التي يدفعها من جيبه.
ويبلغ طول ساحل القطاع 45 كم مقسمة لمناطق عدة أولها, "المنطقة الصفراء "m" مع الحدود المصرية, والمنطقة "k" تقع شمال القطاع مع فلسطين المحتلة, والمنطقة "l" إلى الغرب من غزة.
لم يتمكن مهدي من الزواج حتى اللحظة لأنه لا يستطيع توفير مقومات الحياة للأسرة التي سيكون مسؤول عنها في المستقبل.
ويتنصل الإحتلال من مسؤوليته عن إصابته ويرفض دفع أي تعويضات له عن الحادث الأليم الذي جعله يفقد جزءا مهما من جسد, بحسب ما يقول.
يتمنى مهدي أن ترعى المؤسسات الإنسانية قضية إصابته على يد الاحتلال ليدفع ثمن جريمته حتى يتمكن من العيش الكريم.
لم يخفِ ترد وضعه الاقتصادي بفعل الممارسات "الإسرائيلية" وحرمان الصياد الفلسطيني من الإبحار لمسافات كبيرة للوصول إلى أماكن تجمع الأسماك بوفرة.
وأبدى مهدي قلقه من خسارة موسم اصطياد أسماك السردين, الذي بدأ مطلع الشهر الجاري, وينتهي بداية شهر يونيو المقبل.
يعلق الصياد أمله على هذا الموسم, لتسديد الديون التي تراكمت عليه طوال العام بعد أن خسر معدات ثمينة أعطبتها رصاصات الاحتلال وقذائفه.
حبس مهدي أنفاسه, ومن ثم أطلق مناشدة لجمهورية مصر العربية بضرورة التدخل بصفتها الراعي للتهدئة لإلزام الاحتلال بما جاء فيها.
وأكد أن "الاحتلال يغلق أي ثقب يخرقه الشعب الفلسطيني في جدار الحصار البحري لتحقيق الاكتفاء الذاتي بالثروة السمكية".
ولفت مهدي إلى أن كميات الأسماك التي يبتاعها الصياد الفلسطيني من المصريين بعد أن منع من الصيد في المياه الإقليمية المصرية لا تفي بحاجة القطاع من الأسماك الطازجة.
ومنعت مصر الفلسطينيين من الصيد بمياهها في عهد الرئيس محمد مرسي بعد عملية سيناء التي قتل فيها 16 جندياً مصرياً برصاص مجهولين في الخامس من أغسطس عام 2012, بينما كانوا يمنعون إبان نظام حسني مبارك وفقا للاتفاقيات بين النظام و"إسرائيل".
ويأمل مهدي أن يكسر الطوق البحري عن غزة ويسمح للفلسطيني بالصيد بحرية في المياه الإقليمية الفلسطينية بعد أن بات يصطاد فيما وصفها "بالبركة البحرية"!.