أوقف سائق أجرة يدعى أبو الوليد سيارته في ذيل طابور طويل اصطف أمام محطة "الخزندار" للبترول وسط مدينة غزة من أجل تعبئة سيارته، وقال مقهورا: "منه لله اللي صنع الأزمة".
وبين حين وآخر يتدافع السائقون أصحاب المركبات المشغلة بالسولار نحو المحطات لتعبئتها في ظل انتشار "إشاعة" نقص الوقود في غزة إثر "إجراءات هدم الأنفاق التي يقودها الأمن المصري على الحدود مع القطاع".
وقال السائق أبو الوليد في الثلاثين من عمره: "لا يعلم إن كان نقص الوقود في القطاع حقيقة أم إشاعة، ولكن الاصطفاف بهذا الوضع أمام المحطات خير دليل على أن الأزمة آخذة في التفاقم".
وأسند السائق ظهره إلى سيارته مساء الجمعة الماضية، وقال وهو ينفث سيجارته: "سننتظر إلى حين تعبئتها (يقصد السيارة)، وإلا فإنني لن أستطيع العمل لأنه ليس لدي مخزون من السولار يعينني على الأزمة".
"بدأت مصر في فبراير الماضي حملة واسعة لإغلاق "الأنفاق" التي اعتمد عليها الفلسطينيون
"
صاحب سيارة فارهة فضية اللون قال وهو يشير بيده من النافذة: "التجار هم الذين يصنعون الأزمة وقتما شاؤوا لأنهم يخزنون الوقود"، متهما الحكومة بالتقصير في محاسبتهم.
وألمح إلى أن إجراءات الأمن المصري على الحدود مع غزة ساهمت أيضا في خلق أزمة وقود في غزة، مستنكرا هدم "الأنفاق" في وقت لا تزال تستمر فيه (إسرائيل) إدخال الوقود بصورة مقننة إلى غزة بما لا يغطي حاجة المواطنين.
وبدأت مصر في فبراير الماضي حملة واسعة لإغلاق "الأنفاق" التي اعتمد عليها الفلسطينيون في أعقاب فرض الحصار (الإسرائيلي) عام 2007 من أجل إدخال احتياجاتهم التي تحجبها (إسرائيل) عن القطاع.
ويشير شهود عيان ومالكو أنفاق وعمال إلى أن الجيش المصري حفر 10 آبار ارتوازية، ووضع مضخات فيها على عمق 10 أمتار من أجل تدمير شبكة "الأنفاق" التي تمتد على طول الشريط الحدودي الجنوب للقطاع.
في غضون ذلك، القيادي في حماس محمود الزهار أكد احترام حركته مصر بصفتها دولة، ولكنه عبر عن رفضه سياسة هدم الأنفاق في سيناء، متسائلا: "ما هو البديل في ظل إغلاق معبر رفح؟".
وقال الزهار في تصريحات متلفزة: "النظام السابق (نظام مبارك) على قسوته لم يسمح بتجويع غزة".
ويعتبر مراقبون فلسطينيون أن هناك ضغوطا مورست على الحكومة المصرية حتى تهدم الأنفاق مع غزة بزعم "الحفاظ على الأمن القومي"، في حين يرى آخرون أن أزمة الوقود الحالية امتداد للأزمة التي تعيشها مصر واضطرت إثرها إلى توقيع اتفاقية شراء براميل نفط من العراق.
وللتحايل على الإجراءات الأمنية المصرية المتعلقة بـ"الأنفاق" اتخذ مالكوها سلسلة من الإجراءات للحد من المصاعب التي تواجههم، فلجؤوا إلى شق قنوات لتصريف المياه ووضع مضخات شفط لها في حين لجأ آخرون إلى تحصين أنفاقهم بجدران إسمنتية.
"يرى مراقبون فلسطينيون أن هناك ضغوطا مورست على الحكومة المصرية لتهدم الأنفاق
"
وقال مالك نفق يدعى "أبو خالد": "حوالي 40% من احتياجات القطاع تأتي عبر أنفاق التهريب مع مصر رغم التسهيلات التي أدخلتها (إسرائيل) في حركة توريد البضائع إلى القطاع"، مشيرا إلى أن نحو مئتي نفق لم تعمل إلا أياما معدود فقط خلال فبراير الماضي.
وأوضح أبو خالد أن أنفاق التهريب المتعلقة بالوقود باتت تشهد أزمة حقيقية جراء الأزمة التي تعيشها مصر والتي انعكست سلبيا على القطاع، مبينا أن تجار السوق السوداء المصريين يعملون جاهدين من أجل إدخال الوقود إلى غزة.
ووفق تجار فقد طرأ ارتفاع على أسعار بعض السلع المهربة عبر الأنفاق، خصوصا مواد البناء كالإسمنت والحصمة في حين لم يطرأ ارتفاع على أسعار الوقود.
القائم بأعمال مدير الهيئة العامة للبترول عبد الناصر مهنا نفى بدوره وجود أزمة وقود في قطاع غزة، مؤكدا أن القطاع يمتلك كميات كافية من الوقود.
وأوضح مهنا لـ"الرسالة" أن قطاع غزة يمتلك كميات كافية من الوقود، وأن قلق المواطنين وتخوفهم من انقطاعه "لا داعي له".
وبيّن أن أعمال السلطات المصرية في منطقة الأنفاق تؤثر يوما أو يومين على الأكثر على حركة إدخال الوقود، "ثم تعود الأمور إلى طبيعتها"، كما قال.
ولا يزال مستقبل الأنفاق المتعلقة بإدخال المواد الخام مجهولا كما حال مستقبل علاقة غزة بمصر التي تعمل على هدم الأنفاق دون إيجاد بديل يضمن إدخال الاحتياجات الأساسية المختلفة إلى القطاع.